ولذلك يكون المعنى ( واللاتي تخافون نشوزهن ) أي تخافون سوء مغبة نشوزهن ويقتضي ذلك بالنسبة لولاة الأمور أن النشوز رفع إليهم بشكاية الأزواج وأن إسناد ( فعظوهن ) على حقيقته وأما إسناد ( واهجروهن في المضاجع ) فعلى معنى إذن الأزواج بهجرانهن وإسناد ( واضربوهن ) كما علمت .
وضمير المخاطب في قوله ( فإن أطعنكم ) يجري على التوزيع وكذلك ضمير ( فلا تبغوا عليهن سبيلا ) .
والحاصل أنه لا يجوز الهجر والضرب بمجرد توقع النشوز قبل حصوله اتفاقا وإذا كان المخاطب الأزواج كان إذنا لهم بمعاملة أزواجهم النواشز بواحدة من هذه الخصال الثلاث وكان الأزواج مؤتمنين على توخي مواقع هذه الخصال بحسب قوة النشوز وقدره في الفساد فأما الواعظ فلا حد له وأما الهجر فشرطه أن لا يخرج إلى حد الإضرار بما تجده المرأة من الكمد وقدر قدر بعضهم أقصاه بشهر .
وأما الضرب فهو خطير وتحديده عسير ولكنه أذن فيه في حالة ظهور الفساد لأن المرأة اعتدت حينئذ ولكن يجب تعيين حد في ذلك يبين في الفقه لأنه لو أطلق للأزواج أن يتولوه وهم حينئذ يسفون غضبهم لكان ذلك مظنة تجاوز الحد إذ قل من يعاقب على قدر الذنب على أن أصل قواعد الشريعة لا تسمح بأن يقضي أحد لنفسه لولا الضرورة بيد أن الجمهور قيدوا ذلك بالسلامة من الإضرار وبصدوره ممن لا يعد الضرب بينهم إهانة وإضرار . فنقول : يجوز لولاة الأمور إذا علموا أن الأزواج لا يحسنون وضع العقوبات الشرعية مواضعها ولا الوقوف عند حدودها أن يضربوا على أيديهم استعمال هذه العقوبة ويعلنوا لهم أن من ضرب امرأته عوقب كيلا يتفاقم أمر الإضرار بين الأزواج لا سيما عند ضعف الوازع .
( وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا [ 35 ] ) عطف على جملة ( واللاتي تخافون نشوزهن ) وهذا حكم أحوال أخرى تعرض بين الزوجين وهي أحوال الشقاق من مخاصمة ومغاضبة وعصيان ونحو ذلك من أسباب الشقاق أي دون نشوز من المرأة .
والمخاطب هنا ولاة الأمور لا محالة وذلك يرجح أن يكونوا هم المخاطبين في الآية التي قبلها .
والشقاق مصدر كالمشاقة وهو مشتق من الشق " بكسر الشين " أي الناحية . لأن كل واحد يصير في ناحية على طريقة التخييل كما قالوا في اشتقاق العدو : إنه مشتق من عدوة الوادي . وعندي أنه مشتق من الشق " بفتح الشين " وهو الصدع والتفرع ومنه قولهم : شق عصا الطاعة والخلاف شقاق . وتقدم في سورة البقرة عند قوله تعالى ( وإن تولوا فإنما هم في شقاق ) وأضاف الشقاق إلى ( بين ) . إما لإخراج لفظ ( بين ) عن الظرفية إلى معنى البعد الذي يتباعده الشيئان أي شقاق تباعد أي تجاف ؛ وإما على وجه التوسع كقوله ( بل مكر الليل ) وقول الشاعر : .
" يا سارق الليلة أهل الدار A E ومن يقول بوقوع الإضافة على تقدير " في " يجعل هذا شاهدا له كقوله ( هذا فراق بيني وبينك ) والعرب يتوسعون في هذا الظرف كثيرا وفي القرآن من ذلك شيء كثير ومنه قوله ( لقد تقطع بينكم ) في قراءة الرفع .
وضمير ( بينهما ) عائد إلى الزوجين المفهومين من سياق الكلام ابتداء من قوله ( الرجال قوامون على النساء ) .
والحكم " بفتحتين " الحاكم الذي يرضى للحكومة بغير ولاية سابقة وهو صفة مشبهة مشتقة من قولهم : حكموه فحكم وهو اسم قديم في العربية وكانوا لا ينصبون القضاة ولا يتحاكمون إلا إلى السيف ولكنهم قد يرضون بأحد عقلائهم يجعلونه حكما في بعض حوادثهم وقد تحاكم عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة لدى هرم بن سنان العبسي وهي المحاكمة التي ذكرها الأعشى في قصيدته الرائية القائل فيها : .
علقم ما أنت إلى عامر ... الناقض الأوتار والواتر وتحاكم أبناء نزار بن معد بن عدنان إلى الأفعى الجرهمي كما تقدم في هذه السورة