@ 462 @ الحرم ؛ لأن أحقّ البلاد ، بأن يطاع فيها اللَّه بامتثال أوامره هي حرمه ، وطاعة اللَّه في حرمه ليس فيها انتهاك له ، كما ترى . .
أمّا استدلال هؤلاء بما في الصحيحين بلفظ إن الحرم لا يعيذ عاصيًا ولا فارًّا بدم ، ولا فارًّا بخربة ، فهو استدلال في غاية السقوط ؛ لأن من ظنّ أنه حديث عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقط غلط غلطًا فاحشًا ؛ لأنه من كلام عمرو بن سعيد المعروف بالأشدق كما هو صريح في الصحيحين وغيرهما . قال البخاري رحمه اللَّه في صحيحه : حدّثنا قتيبة ، حدّثنا الليث ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكّة : ائذن لي أيها الأمير أحدّثك قولاً قام به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في الغد من يوم الفتح ، فسمعته أذناي ووعاه قلبي ، وأبصرته عيناي حين تكلّم به أنه حمد اللَّه وأثنى عليه ، ثم قال : ( إن مكة حرمها اللَّه ، ولم يحرمها الناس ، فلا يحل لامرىء يؤمن باللَّه واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا ، ولا يعضد بها شجرة ، فإن أحد ترخص لقتال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقولوا له : إن اللَّه أذن لرسوله ولم يأذن لكم ، وإنما أذن لي ساعة من نهار ، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، وليبلغ الشاهد الغائب ) ، فقيل لأبي شريح : ما قال لك عمرو ؟ قال : أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح ، إن الحرام لا يعيذ عاصيًا إلى آخره ، وهذا صريح في أنه من كلام عمرو بن سعيد الأشدق يعارض به أبا شريح لما ذكر له كلام النبيّ صلى الله عليه وسلم . ومعلوم أنه لا حجّة البتّة في كلام الأشدق ، ولا سيّما في حال معارضته به لحديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، وإن كان كلامه لا يطابق الجواب عن الحديث الذي ذكره أبو شريح رضي اللَّه عنه . وفي صحيح مسلم رحمه اللَّه مثل ما في البخاري من حديث أبي شريح إسنادًا ومتنًا . .
وإذا تقرّر أن القائل إن الحرم لا يعيذ عاصيًا إلى آخره ، هو الأشدق علمت أنه لا دلالة فيه وكذلك احتجاجهم بما ثبت في الصحيح من أنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتل ابن خطل وهو متعلّق بأستار الكعبة ؛ لأن أمره بقتله وهو متعلّق بأستار الكعبة في نفس الوقت الذي أحلّ اللَّه له فيه الحرم ، وقد صرّح النبيّ صلى الله عليه وسلم أن حرمتها عادت كما كانت ، ففعله صلى الله عليه وسلم في وقت إحلال الحرم له ساعة من نهار ، لا دليل فيه بعد انقضاء وقت الإحلال ورجوع الحرمة ، كما ترى . .
وأمّا الذين منعوا القتل في الحرم دون ما سواه من الحدود التي لا قتل فيها والقصاص