حطَّ فيها على الكتاب وأغرى الناصر بمصادرتهم . وكان مزّاحاً كثير الهزل لا يكاد يحمل مع أن الصاحب بهاء الدين ابن حنّي صادره وأخذ منه نحو ثلاثين ألف دينار عندما قدم أخوه نور الدين الدولة السامري من اليمن . ونكب في دولة المنصور وطلبه الشجاعي إلى مصر وأخذت منه حزرما وغيرهما وتمام مائتي ألف درهم وكان يسكن دار المليحة التي وقفها رباطاً ومسجداً ووقف عليها باقي أملاكه . وروى عنه الدمياطي في معجمه وذكر أنّه يعرف بالمقرىء . ومات سنة ست وتسعين وستمائة وهو في عشر الثمانين ودفن في إيوان داره . ومن شعره : .
من سرَّ من راء ومن أهلها ... عند الطيف الراحم الباري .
وأي شيء أنا حتى إذا ... أذنبت لا تغفر أوزاري .
ياربَّ مالي غير سبّ الورى ... أرجو به الفوز من النار .
كان قد سافر مرة مع وجيه الدين ابن سويد إلى الموصل فحضر المكّاسة فعفُّوا عن جمال الوجيه ومكّسوا جمال السّامري وأجحفوا به فقال : .
صحبت وجيه الدين في الدهر مرّةً ... ليحمل أثقالي ويخفر أجمالي .
فوزَّنني عن كلّ حقٍ وباطلٍ ... وعن فرسي والبغل والجمل الخالي .
فبلغ ذلك صاحب الموصل فأطلق القفل بأجمعه .
وقال يشكر الأمير سيف الدين طوغان وأستدمر واليي البريد بدمشق ويشكو نائبيهما همّام والعلم سنجر : .
اسم الولاية للأمير وما له ... فيها سوى الأوزار والآثام .
وجناية القتلى وكل جناية ... تجبى بأجمعها إلى همّام .
سفيان قد وليا فكل منهما ... في حفظ ما وليه كالضرغام .
وإذا عرا خطب فكل منهما ... أسد يصول ببأسه ويحامي .
وبباب كلٍ منهما علم غدا ... في ظلمه علاّمة الأعلام .
فمتى أرى الدنيا بغير سناجرٍ ... والكسر والتنكيس للأعلام .
ابن الخياط الدمشقي .
أحمد بن محمد بن علي بن يحيى بن صدقة التغلبي المعروف بابن الخياط الدمشقي الكاتب ؛ من الشعراء المجيدين وديوانه مشهور طاف البلاد ومدح الناس ودخل بلاد العجم ولما اجتمع بأبي الفتيان ابن حيّوس الشاعر المشهور بحلب وعرض عليه شعره قال : قد نعاني هذا الشاب إلى نفسي فقلّما نشأ ذو صناعة ومهر فيها إلاّ وكان دليلاً على موت الشيخ من أبناء جنسه . ودخل مرة إلى حلب وهو رقيق الحال لا يقدر على شيء فكتب إلى ابن حيّوس يستميحه .
لم يبق عندي ما يباع بحبةٍ ... وكفاك شاهد منظري عن مخبري .
إلاّ بقيّة ماء وجهٍ صنتها ... عن أن تباع وأين أين المشتري .
فقال ابن حيّوس : لو قال وأنت نعم المشتري لكان أحسن .
ومن قصائده المشهور قوله : .
خذا من صبا نجدٍ أماناً لصبّه ... فقد كاد ريّاها يطير بلبّه .
وإيّاكما ذاك النسيم فإنّه ... متى هبّ كان الوجد أيسر خطبه .
خليليّ لو أحببتما لعلمتما ... محلّ الهوى من مغرم القلب صبّه .
تذكّر والذكرى تشوق وذوالهوى ... يتوق ومن يعلق به احبّ يصبه .
غرام على يأس الهوى ورجائه ... وشوق على بعد المزار وقربه .
إذا خطرت من جانب الرمل نفحة ... تضمّن منها داءه دون صحبه .
ومحتجبٍ بين الأسنّة معرضٍ ... وفي القلب من إعراضه مثل حجبه .
أغار إذاً آنست في الحيّ أنه ... حذاراً عليه أن تكون لحبّه .
ومنه قوله : .
وبالجزع حي كلما عنّ ذكرهم ... أمات الهوى مني فؤاداً وأحياه .
تمنّيتهم بالرقمين ودارهم ... بوادي الغضا يا بعد ما أتمنّاه .
ومنه قوله : .
لاح الهلال كما تعوّج مرهفا ... والكوكبان فأعجبا بل أطرفا .
متتابعين تتابع الكعبين في ... رمحٍ أقيم الصدر منه وثقفّا .
فكأنه وقد استقاما فوقه ... كفّ تخالف أكرتين تلقفا .
ومنه قوله في النرد : .
أقول واليوم بهيم خطبه ... مسودّ أوضاح الضحى دغوشها .
يظلم في عينيَّ لا من ظلمةٍ ... بل من همومٍ جمّةٍ غطوشها