أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد الطبيب يعرف بابن الجزار القيرواني كان طبيباً حاذقاً دارساً كتبه جامعة لتواليف الأوائل فيه حسن الفهم لها وله فيه مصنفات وفي غيره فمن أشهرها : زاد المسافر . ورسائله في النفس . وذكر الاختلاف من الأوائل فيها . وكان له عناية بالتاريخ وألف فيه كتاباً سماه التعريف بصحيح التاريخ . رسالة في النوم واليقظة . رسالة في الزكام . رسالة في الجذام . نصائح الأبرار . وكتاب الأسباب المولدة للوباء في مصر والحيلة في دفع ذلك . رسالة في استهانة الموت . وكان صائناً لنفسه منقبضاً عن الملوك ذا ثروة لم يقصد أحداً إلى بيته وكان له معروف وأدوية يفرقها وكان موجوداً في أيام المعز في حدود سنة خمسين وثلاث مائة أو ما قاربها . وكان ابن الجزار يشهد الأعراس والجنائز ولا يأكل فيها ولا يركب إلى أحد من أهل إفريقية قط ولا إلى سلطانهم إلا إلى أبي طالب عم معد كان له صديقاً قديماً وإلفاً حميماً وكان يركب إليه في كل جمعة مرة لا غير . وكان ينهض في كل عام إلى المرابطة على البحر فيكون هناك طول أيام القيظ ثم ينصرف إلى إفريقية . ووجد له عشرون ألف دينار لما توفي وعشرون قنطاراً من الكتب الطبية وكان قد هم بالرحلة إلى الأندلس . وقال كشاجم يمدح كتابه زاد المسافر : .
أبا جعفر بقيت حياً وميتاً ... مفاخر في ظهر الزمان عظاما .
رأيت على زاد المسافر عندنا ... من الناظرين العارفين زحاما .
فأيقنت أن لو كان حيا لوقته ... يحنا لما سمى التمام تماما .
سأحمد أفعالاً لأحمد لم تزل ... مواقعها عند الكرام كراما .
وكان قد وضع على باب داره سقيفة أقعد فيها غلاماً له يدعى رشيقاً أعد بين يديه جميع المعجونات والأدوية والأشربة فإذا رأى القوارير بالغداة أمر بالجواز إلى الغلام وأخذ الأدوية نزاهة بنفسه أن يأخذ من أحد شيئاً .
ابن حمدون النديم .
أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن داود بن حمدون النديم أبو عبد الله قال ياقوت : ذكره أبو جعفر الطوسي في مصنفي الإمامية وقال : هو شيخ أهل اللغة ووجههم وأستاذ أبي العباس ثعلب قرأ عليه قبل ابن الأعرابي وتخرج به مديدةً وكان خصيصاً بأبي محمد الحسن بن علي وأبي الحسن قبله وله معه رسائل وأخبار قال الشابشطي : كان خصيصاً بالمتوكل ونديماً له وأنكر منه المتوكل ما أوجب نفيه من بغداذ ثم قطع أذنه وكان السبب في ذلك أن الفتح بن خاقان كان يعشق شاهك خادم المتوكل وكان أبو عبد الله يسعى فيما يحبه الفتح ونمى الخبر إلى المتوكل فقال له : إنما أردتك لتنادمني ليس لتقود على غلماني فحلف يميناً حنث فيها فطلق زوجاته وأعتق ممالكيه وإماءه ولزمه حج ثلاثين سنة فكان يحج في كل عام . فأمر المتوكل بنفيه إلى تكريت فأقام بها أياماً وجاءه زرافة في الليل على البريد فقطع غضروف أذنه من خارج وأقام مديدةً ثم انحدر إلى بغداذ وأقام بمنزله مديدةً ثم أعاده المتوكل إلى خدمته ووهبه جارية له يقال لها صاحب وكانت حسنة كاملة إلا أن ثنيتها كانت سوداء لعارض شانها فكرهها لذلك وحمل معها إليه كل ما كان لها وكان كثيراً فلما مات تزوجت بعض العلويين . قال علي بن يحيى بن المنجم : فرأيته في النوم وهو يقول : .
أبا علي ما ترى العجائبا ؟ .
أصبح جسمي في التراب غائبا .
واستبدلت صاحب بعدي صاحبا .
ومن شعر أبي عبد الله النديم يعاتب علي بن يحيى : .
من عذيري من أبي حسن ... حين يجفوني ويصرمني .
كان لي خلاً وكنت له ... كامتزاج الروح بالبدن .
فوشى واش فغيره ... وعليه كان يحسدني .
إنما يزداد معرفةً ... بودادي حين يفقدني .
وتحدث جحظة في أماليه قال : قال لي أبو عبد الله بن حمدون : حسبت ما وصلني به المتوكل في مدة خلافته وهي أربع عشرة سنة وشهور فوجدته ثلاث مائة وستين ألف دينار ونظرت فيما وصلني به المستعين مدة خلافته وهي ثلاث سنين ونيف وكان أكثر مما وصلني به المتوكل . ولما مات ابن حمدون قال جحظة يرثيه : .
أيعذب من بعد ابن حمدون مشرب ... لقد كدرت بعد الصفاء المشارب .
أصبنا به فاستأسد الضبع بعده ... ودبت إلينا من أناس عقارب