@ 323 @ إذا كان مرفوعاً منوناً ، وحذف تنوينه كما قال لكثرة الاستعمال ، ويجوز أن يكون عرِّي من التنوين لأنه على نية الألف واللام ، فيكون التقدير : فلا الخوف عليهم ، ويكون مثل ما حكى الأخفش عن العرب : سلام عليكم ، بغير تنوين . قالوا : يريدون السلام عليكم ، ويكون هذا التخريج أولى ، إذ يحصل التعادل في كون لا دخلت على المعرفة في كلتا الجملتين ، وإذا دخلت على المعارف لم تجر مجرى ليس ، وقد سمع من ذلك بيت للنابغة الجعدي ، وتأوله النحاة وهو : % ( وحلت سواء القلب لا أنا باغيا % .
سواها ولا في حبها متراخيا .
) % .
وقد لحنوا أبا الطيب في قوله : % ( فلا الحمد مكسوباً ولا المال باقياً وكنى بقوله : { عَلَيْهِمْ } عن الاستيلاء والإحاطة ، ونزل المعنى منزلة الجرم ، ونفى كونه معتلياً مستولياً عليهم . وفي ذلك إشارة لطيفة إلى أن الخوف لا ينتفي بالكلية ، ألا ترى إلى انصباب النفي على كينونة الخوف عليهم ؟ ولا يلزم من كينونة استعلاء الخوف انتفاء الخوف في كل حال ، ولذلك قال بعض المفسرين : ليس في قوله : { فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } دليل على نفي أهوال يوم القيامة وخوفها عن المطيعين لما وصفه الله تعالى ورسوله من شدائد القيامة ، إلا أنها مخففة عن المطيعين . فإذا صاروا إلى رحمته ، فكأنهم لم يخافوا ، وقدم عدم الخوف على عدم الحزن ، لأن انتفاء الخوف فيما هو آت آكد من انتفاء الحزن على ما فات ، ولذلك أبرزت جملته مصدرة بالنكرة التي هي أوغل في باب النفي ، وأبرزت الثانية مصدرة بالمعرفة في قوله : { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } . % .
وفي قوله : { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } إشارة إلى اختصاصهم بانتفاء الحزن ، وأن غيرهم يحزن ، ولو لم يشر إلى هذا المعنى لكان : ولا يحزنون ، كافياً . ولذلك أورد نفي الحزن عنهم وإذهابه في قوله : { إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ } إلى قوله : { لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الاْكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَئِكَةُ } . ومعلوم أن هذين الخبرين وما قبلهما من الخبر مختص بالذين سبقت لهم من الله الحسنى ، وفي قوله : { الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ } ، فدل هذا كله على أن غيرهم يحزنه الفزع ، ولا يذهب عنهم الحزن . .
وحكى عن المفسرين في تفسير هذه الجملة أقوال : أحدها : لا خوف عليهم فيما يستقبلون من العذاب ولا يحزنون عند الموت . الثاني : لا يتوقعون مكروهاً في المستقبل ، ولا هم يحزنون لفوات المرغوب في الماضي والحال . الثالث : لا خوف عليهم فيما يستقبلهم ، ولا هم يحزنون فيما خلفه . الرابع : لا خوف عليهم فيما بين أيديهم من الآخرة ، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا . الخامس : لا خوف عليهم من عقاب ، ولا هم يحزنون على فوات ثواب . السادس : إن الخوف استشعار غم لفقد مطلوب ، والحزن استشعار غم لفوات محبوب . السابع : لا خوف عليهم فيما بين أيديهم من الدنيا ، ولا هم يحزنون على ما فاتهم منها . الثامن : لا خوف عليهم يوم القيامة ، ولا هم يحزنون فيها . التاسع : أنه أشار إلى أنه يدخلهم الجنة التي هي دار السرور والأمن ، لا خوف عليهم فيها ولا حزن .
