@ 348 @ التخريج ، بل هم مجمعون على أن الجملة صفة ليوم ، ويلزم من ذلك حذف الرابط أيضاً من الجمل المعطوفة على { لاَّ تَجْزِى } ، أي ولا يقبل منها شفاعة فيه ، ولا يؤخذ منها عدل فيه ، ولا هم ينصرون فيه ، وعلى ذلك التخريج لا يحتاج إلى إضمار هذه الرّوابط . .
{ نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا } كلاهما نكرة في سياق النفي فتعم . ومعنى التنكير : أن نفساً من الأنفس لا تجزي عن نفس من الأنفس شيئاً من الأشياء ، قال الزمخشري : وفيه إقناط كلي قاطع من المطامع ، وهذا على مذهبه في أن لا شفاعة . وقال بعضهم : التقدير عن نفس كافرة ، فقيدها بالكفر ، وفيه دلالة على أن النفس تجزي عن نفس مؤمنة ، وذلك بمفهوم الصفة . ويأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى عند الكلام على قوله : { وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ } . وقرأ أبو السرار الغنوي : لا تجزي نسمة عن نسمة ، وانتصاب شيئاً على أنه مفعول به ، أي لا يقضي شيئاً ، أي حقاً من الحقوق ، ويجوز أن يكون انتصابه على المصدر ، أي : ولا تجزي شيئاً من الجزاء ، قاله الأخفش ، وفيه إشارة إلى القلة ، كقولك : ضربت شيئاً من الضرب . . .
{ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ } : قرأ ابن كثير وأبو عمرو : ولا تقبل بالتاء ، وهو القياس والأكثر ، ومن قرأ بالياء فهو أيضاً جاز فصيح لمجاز التأنيث ، وحسنة أيضاً الفصل بين الفعل ومرفوعه . وقرأ سفيان : ولا يقبل بفتح الياء ونصب شفاعة على البناء للفاعل ، وفي ذلك التفات وخروج من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب ، لأن قبله : { اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ } و { إِنّى * فَضَّلْتُكُمْ } ، وبناؤه للمفعول أبلغ لأنه في اللفظ أعم ، وإن كان يعلم أن الذي لا يقبل هو الله تعالى . والضمير في منها عائد على نفس المتأخرة لأنها أقرب مذكور ، أي لا يقبل من النفس المستشفعة شفاعة شافع ، ويجوز أن يعود الضمير على نفس الأولى ، أي ولا يقبل من النفس التي لا تجزي عن نفس شيئاً شفاعة ، هي بصدد أن لو شفعت لم يقبل منها ، وقد يظهر ترجيح عودها إلى النفس الأولى ، لأنها هي المحدث عنها في قوله : { لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ } ، والنفس الثانية هي مذكورة على سبيل الفضلة لا العمدة . وظاهر قوله : { وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ } نفي القبول ووجود الشفاعة ، ويجوز أن يكون من باب : .
على رحب لا يهتدى بمناره .
نفي القبول ، والمقصود نفي الشفاعة ، كأنه قيل : لا شفاعة ، فتقبل . وقد اختلف المفسرون في فهم هذا على ستة أقوال : الأول : أنه لفظ عام لمعنى خاص ، والمراد : الذين قالوا من بني إسرائيل نحن أبناء الله ، وأبناء أنبيائه ، وأنهم يشفعون لنا عند الله ، فرد عليهم ذلك ، وأويسوا منه لكفرهم ، وعلى هذا تكون النفس الأولى مؤمنة ، والثانية كافرة ، والكافر لا تنفعه شفاعة لقوله تعالى : { فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ } . الثاني : معناه لا يجدون شفيعاً تقبل شفاعته ، لعجز المشفوع فيه عنه ، وهو قول الحسن . الثالث : معناه لا يجيب الشافع المشفوع فيه إلى الشفاعة ، وإن كان لو شفع لشفع . الرابع : معناه حيث لم يأذن الله في الشفاعة للكفار ، ولا بد من إذن من الله بتقدم الشافع بالشفاعة لقوله : { وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } ، { وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى } . الخامس : معناه ليس لها شفاعة ، فيكون لها قبول ، وقد تقدم هذا القول .