/صفحة 315 / ولارم ذلك أن يرى نفسه وما يترتب عليها من سمة أو فعل ملكا طلقا لله سبحانه يتصرف فيها بما يشاء وهو ولاية الله يتولى أمر عبده فلا يبقى له من الملك بحقيقة معناه شئ إلا ما ملكه الله سبحانه وهو المالك لما ملكه والملك لله عز اسمه. وعند ذلك ينجيه الله من مضيق الوهم وسجن الشرك بالتعلق بالاسباب الظاهرية " ويجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب " أما الرزق المادي فإنه كان يرى ذلك من عطايا سعيه والاسباب الظاهرية التي كان يطمئن إليها وما كان يعلم من الاسباب إلا قليلا من كثير كقبس من نار يضئ للانسان في الليلة الظلماء موضع قدمه وهو غافل عما وراءه، لكن الله سبحانه محيط بالاسباب وهو الناظم لها ينظمها كيف يشاء ويأذن في تأثير ما لا علم له به من خباياها. وأما الرزق المعنوي الذي هو حقيقة الرزق الذي يعيش به النفس الانسانية وتبقى فهو مما لم يكن يحتسبه ولا يحتسب طريق وروده عليه. وبالجملة هو سبحانه يتولى أمره ويخرجه من مهبط الهلاك ويرزقه من حيث لا يحتسب، ولا يفقد من كماله والنعم التي كان يرجو نيلها بسعيه شيئا لانه توكل على الله وفوض إلى ربه ما كان لنفسه " ومن يتوكل على الله فهو حسبه " دون سائر الاسباب الظاهرية التي تخطئ تارة وتصيب أخرى " إن الله بالغ أمره " لان الامور محدودة محاطة له تعالى و " قد جعل الله لكل شئ قدرا " فهو غير خارج عن قدره الذي قدره به. وهذا نصيب الصالحين من الاولياء من هذه الآية. وأما من هو دونهم من المؤمنين المتوسطين من أهل التقوى النازلة درجاتهم من حيث المعرفة والعمل فلهم من ولاية الله ما يلائم حالهم في إخلاص الايمان والعمل الصالح وقد قال تعالى وأطلق: " والله ولي المؤمنين " آل عمران: 68، وقال وأطلق: " والله ولي المتقين " الجاثية: 19. وتدينهم بدين الحق وهي سنة الحياة وورودهم وصدورهم في الامور عن إرادته تعالى هو تقوى الله والتوكل عليه بوضع إرادته تعالى موضع إرادة أنفسهم فينالون من سعادة الحياه بحسبه ويجعل الله لهم مخرجا ويرزقهم من حيث لا يحتسبون، وحسبهم ربهم فهو بالغ أمره وقد جعل لكل شئ قدرا. وعليهم من حرمان السعادة قدر ما دب من الشرك في إيمانهم وعملهم وقد قال تعالى:
