[536] المجال للتفكير حتى يبيّن له محتوى دعوتك في كمال الإِرادة والحرية، فإذا أشرقت أنوار الهداية في قلوبهم فسيؤمنون بدعوتك. ثمّ تضيف الآية قائلة: (ثمّ أبلغه مأمنه) وأوصله إِلى مكان آمن حتى لا يعترضه أحد في طريقه. وأخيراً فإنّ الآية تبين علة هذا الحكم، فتقول: (ذلك بأنّهم قوم لا يعلمون). فبناءً على ذلك لو فُتحت أبواب إكتساب المعرفة بوجوهم، فإنّه يؤمّل فيهم خروجهم من الوثنية التي هي وليدة الجهل ـ وإلتحاقهم بركب التوحيد الذي هو وليد العلم والمعرفة. وقد ورد في كتب السنة والشيعة أنّ أحد المشركين (عبدة الأصنام) سأل عليّاً(عليه السلام) بعد إلغاء المعاهدة فقال: يابن أبي طالب، لو أراد أحد أن يواجه النّبي بعد هذه المدّة "الأشهر الأربعة" ويسأله أو يسمع كلام الله منه، أهو آمن؟! فقال علي(عليه السلام): أجل، إنّ الله يقول: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجرهُ)(1). وهكذا تتوازن وتتساوى كفتا الشدّة المستفادة من الآية الأُولى ـ محل البحث ـ واللين المستفاد من الآية التي تليها، فإنّ سبيل التربية قائم على الشدة المشفوعة باللين، ليكون منهما الدواء الناجع. * * * ملاحظات 1 ـ ما المراد من الأشهر الحرم؟ بالرّغم من أنّ المفسّرين قد بحثوا كثيراً في هذا الشأن، إلاّ أنّه ـ مع ملاحظة ما جاء في الآيات المتقدمة ـ يظهر أنّ المراد منها هي أربعة الأشهر التي كانت مدّة ــــــــــــــــــــــــــــ 1 ـ تفسير البرهان، ج 2، ص 106 وتفسير الفخر الرازي، ص 226.
