[342] أنّه اغتمّ كثيراً وارتعدت فرائصه حتى طمأنه النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بحلِّيّة ما فعل به حفظاً للنفس، فهدأ. ويطالعنا تأريخ (بلال) عندما اعتنق الإِسلام راح يدعو له ويدافع عن النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فشدَّ عليه المشركون حتى أنّهم طرحوه أرضاً تحت لهيب الشمس الحارقة، وما اكتفوا بذلك حتى وضعوا صخرةً كبيرة على صدره وهو بتلك الحال، وطلبوا منه أنْ يكفر بالله ولكنّه أبى أنْ يستجيب لطلبهم وبقي يردد: أحدٌ أحد، ثمّ قال: أُقسم بالله لو علمتُ قولا أشد عليكم من هذا لقلته. ونقرأ في تاريخ (حبيب بن زيد) أنّه لما أسره مسيلمة الكذاب فقد سأله: هل تشهد أنّ محمّداً رسول اللّه؟ قال: نعم. ثمّ سأله: أتشهد أنّي رسول اللّه؟ فأجابه ساخراً: إِنّي لا أسمع ما تقول! فقطعوه إِرباً إِرباً(1). والتأريخ الإِسلامي حافل بصور كهذه، خصوصاً تأريخ المسلمين الأوائل وتأريخ أصحاب الأئمّة(عليهم السلام). ولهذا قال المحققون: إِنّ ترك التقية وعدم التسليم للأعداء في حالات كهذه، عملٌ جائز حتى لو أدى الأمر إِلى الشهادة، فالهدف سام وهو رفع لواء التوحيد وإِعلاء كملة الإِسلام، وخاصة في بداية دعوة النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث كان لهذا الأمر أهمية خاصّة. ومع هذا، فالتقية جائزة في موارد، وواجبة في موارد أُخرى، وخلافاً لما يعتقده البعض فإِنّ التقية (في مكانها المناسب) ليست علامة للضعف، ولا هي مؤشر للخوف من تسلط الأعداء، ولا هي تسليم لهم، بقدر ما هي نوع من ــــــــــــــــــــــــــــ 1 ـ في ظلال القرآن، ج 5، ص 284.