[80] بل: (إن هو إلاّ عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل) فقد كانت ولادته من غير أب آية من آيات الله، وتكلمه في المهد آية أُخرى، وكانت كل معجزة من معجزاته علامة بينة على عظمة الله سبحانه، وعلى مقام النبوّة. لقد كان عيسى مقِراً طوال حياته بالعبودية لله، ودعا الجميع إلى عبوديته سبحانه، ولما كان موجوداً في أُمته لم يسمح لأحد بالإِنحراف عن مسير التوحيد، ولكن المسيحيين أوجدوا خرافة ألوهية المسيح، أو التثليث، بعده(1). والطريف أن نقرأ في روايات عديدة وردت عن طريق الشيعة والسنة، أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعلي(عليه السلام): "إن فيك مثلاً من عيسى، أحبّه قوم فهلكوا فيه، وأبغضه قوم فهلكوا فيه" فقال المنافقون: أما رضي له مثلاً إلاّ عيسى، فنزل قوله تعالى: (ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون). وما قلناه متن رواية أوردها الحافظ أبو بكر بن مردويه ـ من علماء أهل السنة المعروفين ـ في كتاب المناقب. طبقاً لنقل كشف الغمة صفحة 95. ــــــــــــــــــــــــــــ 1 ـ احتملوا في تفسير الآيات أعلاه احتمالات أُخرى، وكل منها لا يتناسب مع محتوى الآيات: 1 ـ فقال البعض: إنّ المراد من المثل الذي ضربه المشركون هو أنّهم قالوا بعد ذكر المسيح وقصته في آيات القرآن: إنّ محمّداً يهيء الأرضية ليدعونا إلى عبادته، والقرآن في مقام الدفاع عن النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: لم يكن المسيح مدعياً للألوهية، وسوف لن يدعيها هو أيضاً. 2 ـ وقال البعض الآخر: إنّ المراد من المثل في الآيات المذكورة هو التشبيه الذي ذكره الله سبحانه في شأن المسيح في الآية (59) من سورة آل عمران، حيث يقول: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثمّ قال له كن فيكون)فإذا كان عيسى قد ولد من غير أب فإن ذلك لا يثير العجب، لأنّ آدم قد ولد من غير أب وأم، بل من التراب بأمر الله تعالى. 3 ـ واحتمل بعض آخر أنّ المراد من المثل هو قول المشركين حيث كانوا يقولون: إذا كان النصارى يعبدون المسيح، فلماذا لا تكون آلهتنا التي هي أسمى منه، لائقة للعبادة وأهلاً لها؟ غير أنّ الإلتفات إلى الخصوصيات التي ذكرت في هذه الآيات يوضح أن أيّاً من هذه التّفسيرات الثلاثة لا يصح، لأنّ الآيات تبيّن جيداً: أوّلاً: أنّ المثل كان من ناحية المشركين. ثانياً: كان الموضوع قد أثار ضجة وصخباً، وكان مضحكاً بنظرهم. ثالثاً: كان شيئاً على خلاف مقام عبودية المسيح (عليه السلام). رابعاً: أنّه كان يحقق هدف هؤلاء، وهو الجدال في أمر كان كاذباً. وهذه الخصائص لا تتناسب إلاّ مع ما قلناه في المتن فقط.