[419 ] * * * الآثار السياسية والاجتماعية والمذهبية لصلح الحديبية: يتّضح بمقايسة إجمالية بين حال المسلمين في السنة السادسة للهجرة "أي عند صلح الحديبية" وحالهم بعدها بسنتين حيث تحرّك المسلمون لفتح مكّة بعشرة آلاف مقاتل ليردّوا على نقض العهد بشدّة، وقد فتحوا مكّة دون أية مواجهة عسكرية لأنّ قريشاً لم تجد في نفسها القدرة على المقاومة أبداً. يتّضح بهذه المقايسة الإجمالية ـ سعة ردّ الفعل ـ التي أحدثتها معاهدة صلح الحديبية!.. وباختصار فإنّ المسلمين حصلوا على إمتيازات عديدة من وراء هذا الصلح وفتحاً كبيراً نذكرها على النحو التالي: 1 ـ بيّنوا عملياً للمضللين من أهل مكّة أنّهم ليس لديهم نيّة للحرب وسفك الدماء وأنّهم يحترمون مكّة وكعبتها المقدسة وكان هذا الأمر سبباً لاكتساب قلوب الكثيرين نحو الإسلام. 2 ـ اعترفت قريش لأوّل مرّة بالإسلام والمسلمين "بصورة رسمية" وكان ذلك سبباً لتثبيت موقعهم في جزيرة العرب!.. 3 ـ استطاع المسلمون بعد صلح الحديبيّة أن يمضوا حيث يشاؤون وأن تبقى أرواحهم وأموالهم في مأمن من الخطر واتصلوا بالمشركين من قريب اتصالاً أثمر نتيجته، فكان أن عرف المشركون الإسلام بصورة أكثر واسترعى أنظارهم نحوه!. 4 ـ انفتح الطريق بعد صلح الحديبيّة لنشر الإسلام في الجزيرة العربية. وأثار موقف النّبي الإيجابي من الصلح القبائل العربية وأصلح نظرتها إلى الإسلام ورسوله الكريم. وحصل المسلمون على مجال إعلامي واسع في هذا الصدد. 5 ـ هيّأ صلح الحديبيّة الطريق لفتح "خيبر" واستئصال هذه الغدة السرطانية "المتمثلة باليهود" والتي كانت تشكل خطراً مهمّاً "بالفعل والقوّة" على الإسلام والمسلمين! 6 ـ وأساساً فإنّ استيحاش قريش من مواجهة الجيش الذي كان يتألّف من ألف وأربعمائة مسلم فحسب ولا يحمل أي منهم سلاحاً سوى سلاح السفر وقبول قريش بمعاهدة الصلح كان بنفسه أيضاً عاملاً مهماً على تقوية المعنويات عند المسلمين وهزيمة أعداء الإسلام إلى درجة أنّهم كانوا يتهيّبون من مواجهة المسلمين!. 7 ـ وبعد صلح الحديبيّة كتب النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كتباً و(رسائل) متعددة إلى رؤساء الدول الكبرى (إيران والروم والحبشة) وملوك العالم البارزين يدعوهم فيها إلى الإسلام، وهذا بنفسه يدل على أن صلح الحديبيّة أعطى المسلمين الثقة بأنفسهم وأن ينفتحوا لا على الجزيرة العربية فحسب بل على آفاق العالم قاطبة! * * * والآين لنعد ثانية إلى تفسير الآيات!.. نستطيع أن ندرك ممّا ذكر آنفاً ـ بشكل جيد ـ أنّ صلح الحديبيّة كان بحق انتصاراً للإسلام وفتحاً للإسلام والمسلمين فلا غرابة أن يعبِّر عنه القرآن بالفتح المبين!. ثمّ بعد هذا كله فإنّ هناك قرائن كثيرة تؤيد هذا التّفسير.. 1 ـ جملة ـ فتحنا ـ التي جاءت بصيغة الفعل الماضي تدل على أنّ هذا الأمر قد تحقق عند نزول الآيات في حين أنّه لم يكن وقتئذ أي شيء سوى صلح الحديبية!. 2 ـ زمان نزول الآيات المشار إليها آنفاً والآيات الأُخرى المذكورة في هذه السورة التي تمدح المؤمنين وتذم المنافقين والمشركين في صلح الحديبيّة كلّ ذلك شاهد آخر على هذا المعنى، والآية (27) من سورة الفتح التي تؤكّد على تحقق رؤيا النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلّقين رؤوسكم ومقصّرين لا تخافون)هي شاهد بليغ على أنّ هذه السورة نزلت بعد الحديبيّة وقبل فتح مكّة!. 3 ـ هناك روايات كثيرة تعبّر عن صلح الحديبيّة بأنّه "الفتح المبين"! ومن ضمنها ما ورد في تفسير "جوامع الجامع" أنّه حين كان النّبي راجعاً من الحديبيّة ونزلت عليه سورة الفتح.. قال أحد أصحابه: ما هذا الفتح؟! لقد صُددنا عن البيت وصُدّ هديُنا!. فقال النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "بئس الكلام "هذا" بل هو أعظم الفتوح قد رضي المشركون أن يدفعوكم عن بلادهم بالراع ويسألوكم القضيّة! ورغبوا إليكم في الأمان وقد رأوا منكم ما كرهوا.."(1). ثمّ ذكّرهم النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ما تحمل المشركون من مساءة يوم بدر ويوم الأحزاب فصدّق المسلمون رسولهم على أنّ هذا أعظم الفتوح وأنّهم قضوا عن عدم إطلاعهم بما قالوا(2). يقول "الزهري" وهو من التابعين: لم يكن فتح أعظم من الحديبيّة وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكّن الإسلام في قلوبهم وأسلم في ثلاث سنين خلق كثيرٌ كثر بهم سواد الإسلام. ففي هذه الأحاديث إشارة إلى جانب من الإمتيازات التي حصل عليها المسلمون ببركة صلح الحديبية. إلاّ أنّ حديثاً واحداً ورد عن الإمام الرضا "علي بن موسى" (عليه السلام) يقول (إنّا فتحنا) نزلت بعد "فتح مكّة"(3). بيد أنّه يمكن توجيه هذه الرواية ببساطة بالقول بأنّ صلح الحديبيّة كان مقدمةً لفتح مكّة بعد سنتين، فيرتفع الإشكال. أو بتعبير آخر أنّ "صلح الحديبية" كان سبباً لفتح خيبر في فترة وجيزة "في السنة السابعة للهجرة" وأوسع من ذلك كان سبباً لفتح مكّة (السنة الثامنة للهجرة) وانتصارات الإسلام في مجالات شتى من حيث النفوذ في قلوب العالمين!. وبهذا يمكن الجمع بين التفاسير الأربعة مع هذا القيد وهو أنّ صلح الحديبيّة يشكل المحور الأصلي لهذه التفاسير!. ــــــــــــــــــــــــــــ 1 ـ جوامع الجامع "طبقاً لنور الثقلين، ج5، ص48، الحديث التاسع". 2 ـ الدر المنثور، ج6، ص68 ـ 3 ـ نور الثقلين، ج5، ص48. 3 ـ نور الثقلين، ج5، ص48.
