(289) الثاني: أن يكون أهل الكتاب أيضا ممن أمر النبي (صلى الله عليه واله وسلم) بقتالهم، وذلك باطل، فإن الايات القرآنية الامرة بالقتال إنما وردت في جهاد المشركين ودعوتهم إلى الايمان بالله تعالى وباليوم الاخر. وأما أهل الكتاب فلا يجوز قتالهم إلا مع وجود سبب آخر من قتالهم للمسلمين، لقوله تعالى: " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين 2: 190 ". أو إلقائهم الفتنة بين المسلمين، لقوله تعالى بعد ذلك: " والفتنة أشد من القتل 2: 191 ". أو امتناعهم عن إعطاء الجزية للاية المتقدمة، وأما مع عدم وجود سبب آخر فلا يجوز قتالهم لمجرد الكفر، كما هو صريح الاية الكريمة. وحاصل ذلك: أن الامر في الاية المباركة بالعفو والصفح عن الكتابيين، لانهم يودون أن يردوا المسلمين كفارا ـ وهذا لازم عادي لكفرهم ـ لا ينافيه الامر بقتالهم عند وجود سبب آخر يقتضيه، على أن متوهم النسخ في الاية الكريمة قد حمل لفظ الامر من قوله تعالى: " حتى يأتي الله بأمره 2: 109 ". على الطلب، فتوهم أن الله أمر بالعفو عن الكفار إلى أن يأمر المسلمين بقتالهم فحمله على النسخ. وقد اتضح للقارئ أن هذا ـ على فرض صحته ـ لا يستلزم النسخ ولكن (البيان ـ 19)
