[ 290 ] والعلماء والفقهاء وكلُّ من خطى خُطاهم موضع إتِّهام من قبل الجاحدين ومنكري الله، ولا ينفكون دائماً عن إلصاق مختلف التهم والتخرُّصات والأكاذيب بهؤلاء الثلَّة من سالكي طريق الحق والحقيقة لغرض إبعاد طلاَّب المعارف الإلهية عنهم، كما فعلوا ذلك عند الثورة الاسلامية في إيران وقد شهدنا الأعداء دائماً يلصقون التُّهم بالثوّار وبالامام (رحمه الله)وبأتباعه وأنصاره الأوفياء، لكنَّا نعلم جميعاً أن حبل الكذب قصير، ولا تبقى الحقيقة خافية دائماً. من التهم التي الصقوها بالرسول (صلى الله عليه وآله) تهمتان رائجتان سبق وأن اتُّهم بهما باقي الأنبياء، وهما: ساحر ومجنون، وفي ذلك يقول القرآن: (كَذَلِكَ مَا أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُول إلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ)(1). كما قلنا فإن هذه التهم والتخرُّصات ما كانت إلاَّ لإغفال الناس، لكنها لم تترك أثراً، لذلك ما انفكوا عن تبديلها وتغييرها إلى مستوى التناقض أحياناً من قبيل نسبة السحر والكهانة والجنون للرسول وهي متناقضة; لأن السحر والكهانة يستدعيان الذاكرة القوية والذهنية الناشطة، ولا يمكن لمجنون أن يكون ساحراً أو كاهناً. الحقائق المستبطنة في الاتهامات في هذه الاتهامات حقائق مستبطنة ينشرها الأعداء بنحو لا إرادي، فهم ينسبون الجنون والسحر للرسول مثلاً، وفلسفة هذه النسبة المستقبحة أنهم جاءوا للرسول وقالوا له: ما الهدف من دعوتك للدين الجديد؟ إذا كان هدفك جمع المال فسنعطيك مالاً تصبح به اغنى رجال مكة وإن كنت ترغب الزواج فسنزوّجك أفضل نساء مكة، وإذا كنت ترغب في الرئاسة فسنجعلك رئيساً علينا. لكن الرسول (صلى الله عليه وآله) أجابهم بعبارته التالية: "والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يُظهره الله أو أهلك فيه ما تركته"(2). 1. الذاريات: 52. 2. سيرة ابن هشام 1: 265.