[ 371 ] الظمأ يعني العطش، والظمآن هو العطشان، والسراب يجذب العطشان نحوه; باعتبار حاجته الملحّة للماء. (حَتَّى إذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً). الظمآن بعد ما يرى السراب، يتحرّك باتجاهه، وعندما يصل إليه لا يجد ماءً، فينظر إلى حيث كان، فيرى سراباً آخر، فيتّجه نحوه كذلك، وهذه العملية تستمر هكذا، ممَّا يؤدّي إلى ازدياد عطشه. هذا هو شأن الكفار يوم القيامة، فهم يبحثون عن أعمالهم الحسنة التي أدوها في الدنيا لعلَّها تنجيهم، لكنهم لا يحصلون على شيء فيرجعون خلو اليدين; لأن أعمالهم كانت بمثابة السراب الذي يبدو ماءً وما هو بماء. (فَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ). يتعطش الكافر يوم القيامة إلى الأعمال الصالحة، فيرى من بعيد تلاً من أعماله فيتّجه نحوها، وعندما يقترب منها يجدها لا شيء بل يجد الله (أي يجد عظمته أو عذابه) يهتمُّ بحسابه ويريه جزاء أعماله القبيحة. (واللهُ سَرِيعُ الحِسَابِ). لا يتوانى الله في حساب الكفار، بل يُسرع في حساباتهم. وحساب يوم القيامة يختلف عن الحسابات العادية التي نمارسها يومياً، فهو حساب معقّد ودقيق ويستدعي وقتاً طويلاً، فمن الصعب جداً أن تُراجع أعمال الانسان كلها منذ بداية خلقته، سواء التي نفذّها بيده أو برجله أوبلسانه أو بقلبه أو بعينه أو اُذنه. رغم ذلك جاء في رواية: "إنَّه تعالى يُحاسب الخلائق كلّهم في مقدار لمح البصر"(1)، وهذا هو معنى (واللهُ سَرِيعُ الحِسَابِ). لكن يا ترى كيف يمكن هذا؟ للاجابة على هذا السؤال ينبغي إلقاء نظرة على بعض منجزات البشر. يوضع في الطائرة صندوق يُدعى الصندوق الأسود، وهو في الحقيقة نظام مراقبة يشرف 1. مجمع البيان 1: 298.