( 468 ) سوطاً لمكان درهم، ولا تمُسّنّ مال أحد من النّاس مُصلّ ولا مُعاهد " (1). كما أنّ الإمام عليّاً ـ عليه السلام ـ لما رأى ذات يوم شيخاً نصرانيّاً يستجدي ويتكفّف فقال: "ما هذا ؟" قالوا: يا أمير المؤمنين، نصرانيّ. فقال: "استعملتُمُوهُ حتّى إذا كبر وعجز منعتُمُوهُ. أنفقُوا عليه من بيت المال " (2). ولقد كانت هذه السيرة مع الأقلّيّات الدينيّة هي سيرة أغلب قادة الإسلام فالتاريخ يحدّثنا: أنّ أحد الخلفاء مرّ على شيخ مضطرب الحال يتكفّف فسأل عنه، ولمّا تبيّن له أنّه يهوديّ قال له: وما الذي دعاك إلى هذا. فلمّا قال: إعطاء الجزية والحاجة، والكبر، أخذ الخليفة بيده، وأدخله إلى منزله وسدّ حاجته بمبلغ من المال وأوصى خازن بيت المال وأمره أن يرفق به ويراعي حاله، وحال من يشابهه وقال: "ليس من النصفة أن نستعمله في شبابه ونتركه في كبره" (3). على أنّ الإسلام لم يكتف بهذا القدر من الاحترام وحسن المعاشرة والمعاملة، فلم يقتصر على الأمر باحترام الأحياء من أهل الكتاب، بل دعا إلى احترام أمواتهم كذلك. يقول جابر بن عبد اللّه: مرّت بنا جنازة، فقام لها النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم وقمنا به. فقلنا: يارسول اللّه: إنّها جنازة يهوديّ. فقالصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: "إذا رأيتم الجنازة فقوموا"(4). وقال: كان سهل بن حنيف وقيس بن سعد قاعدين بالقادسيّة فمرّوا عليهما بجنازة، فقاما، فقيل لهما: إنّهما من أهل الأرض، أيّ من أهل الذمّة، فقالا: إنّ النبيّ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم مرّت به جنازة فقام، فقيل له: إنّها جنازة يهوديّ، فقال: "أليست نفساً"(5). ولهذا السبب كان أهل الكتاب في البلاد غير الإسلاميّة يستقبلون المسلمين الفاتحين لتلك البلاد باشتياق كبير، ويفتحون في وجوههم أبواب مدنهم وحصونهم، فعندما وصل الجيش الإسلاميّ بقيادة أبي عبيدة بن الجرّاح إلى أرض الأردن، كتب إليه ــــــــــــــــــــــــــــ 1- نهج البلاغة:قسم الكتب رقم 51. 2- وسائل الشيعة 1:كتاب الجهاد:الباب 19ح1. 3- السلام العالميّ والإسلام. 4- البخاريّ 2:85. 5- البخاريّ 2:85.
