( 493 ) يصير هناك حيران لا يعرف مقصداً، ولا يطلب هدفاً، أو يرجع إلى مكانه الأوّل. إنّ الذاهبين إلى تلخيص الحياة في الهدف الماديّ مثلهم كمثل هذا الربّان لايهدفُ من رحلته مقصداً ولا يقصد منها غاية وهل أمر ذلك إلاّ في خسار. أجل، هذا هو كلّ ما يقصده ويسعى إليه النظامان الاقتصاديّان الرأسماليّة والاشتراكيّة: زيادة في الإنتاج، وتخطيط للتوزيع، وتطوير في وسائل الإنتاج، ولا شيء وراء ذلك، ولكنّ الإسلام يعالج هذه المسألة معالجة منطقيّة واقعيّة فهو يعتبر الدنيا مقدّمة للآخرة ومزرعة لها، وأنّ على الإنسان أن لا يحصر اهتمامه في هذه الحياة العابرة، بل يسعى للآخرة دون أن ينسى نصيبه من الدنيا، كما قال اللّه تعالى: ( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأحْسِنْ كَمَا أحْسَنَ اللّهُ إلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأرْضِ إنَّ اللّهَ لاَيُحِبُّ المُفسِدِيْنَ )(القصص: 77). ولابد هنا من الإشارة إلى المواضيع التي تضمّنتها هذه الآية: إنّ قوله تعالى: ( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ ) يشير إلى أنّ طلب الدنيا يجب أن يكون لأجل الآخرة فتكون الآخرة هي المقصد والغاية، وحيث أمكن أن يتوهّم من هذا الكلام أنّ الإسلام يدعو إلى الرهبنة وترك الدنيا، إستدرك اللّه سبحانه ذلك بقوله: ( وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) فأفاد بذلك أنّه لا رهبانيّة في الإسلام. فعلى المسلم أن يقصد الآخرة ويهدفها ولكن دون أن ينسى نصيبه من الدنيا إذ لا معاد لمن لا معاش له. وأمّا قوله سبحانه: (وَ أحْسِنْ كَمَا أحْسَنَ اللّهُ إلَيْكَ ) فهو إشارة إلى أنّ على الإنسان أن يعلم بأنّ ما وصل إليه إنّما هو بإحسان اللّه إليه، فعليه أن يقابل ذلك الإحسان بأداء ما افترض اللّه عليه من حقوق والقيام بما ندبه إليه من واجبات اجتماعيّة. وقوله سبحانه: ( وَلاَ تَبْغِ الفَسَادَ فِي الأرْضِ إنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ المفْسِدِينَ ) إشارة إلى كيفيّة الإنفاق والمصرف، فعلى المسلم أن لا ينفق في باطل، ولايسرف ولايبذّر ولايعبث ولايصرف مال اللّه في لهو أو فساد.