( 55 ) التي حققها القرآن الكريم ، وما يقال في جميع السور والآيات الأخرى ، وبالنسبة للصنوف البديعة كافة . وهنا ـ ونحن في هذا السياق ـ أود أن أشير إلى صيغة تنسجم مع هذا العرف الذي نتحدث عنه بإيجاز ، هذه الصّيغة هي كلمة " المقابر " في قوله تعالى : ( الهاكم التكاثر * حتّى زرتم المقابر * ) (1) كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون * ) (2)، فإذا جاز له الانتقال بها جاز له الانتقال فيما قبلها مباشرة كما هو ظاهر ، بل إن هذا اللفظ " المقابر " يفرض نفسه فرضاً قاطعاً ، وذلك أن هذا الأنسان المتناسي الطاغي المتكاثر بأمواله ولذاته ، وشهواته ، ومدخراته ، ونسائه ، وأولاده ، ودوره ، وقصوره وخدمه وحشمه ، وإداراته وشؤونه ، وهذا كله تكاثر قد يصحبه التفاخر ، والتنابز ، والتنافر ، إن هذا مما يناسبه " المقابر " وهي جمع مقبرة ، والمقبرة الواحدة لا سيّما المترامية الأطراف مرعبة هائلة . فإذا ضممنا مقبرة أخرى ومقبرة مثلها ازددنا إيحاشاً ورعباً وفزعاً ، فإذا أصبحت مقابر عديدة ، تضاعف الرعب والرهب ، إذن هذا التكاثر الشهواني في كل شيء ، يناسبه ويوافقه الجمع المليوني للقبور ، لتصبح مقابر لا قبوراً ولو قيل في غير القرآن بمساواة القبور للمقابر في الدلالة لما سد هذا الشاغر الدلالي شيء آخر من الألفاظ . وتعقب الدكتورة بنت الشاطئ على هذا الإدراك فتقول : " وقد تجد الصيغة البلاغية في استعمال المقابر هنا مجرد ملائمة صوتية للتكاثر ، وقد يحس أهل هذه الصنعة ونحن معهم فيها ، نسق الأيقاع ، وانسجام النغم لكن أهذا كل ما في استعمال للفظ " المقابر " في آية التكاثر ؟ . الذي أراه أن وراء هذا الملحظ البلاغي اللفظي ملحظاً بيانياً يتصل ____________ (1) سورة التكاثر : 1 ـ 2 . (2) سورة التكاثر : 3 ـ 4 .