[ 28 ] حسن منه أن ينسب جميع ما ذكرنا إليها، لما اعتقد أنها سببه ومن أجلها كان همه وقلقه، وهذا بين كما ترى. وقد قال قائل آخر في ذلك: إن أصل لفظ الزيغ في اللغة: مأخوذ من العدول عن الشئ، ألا ترى إلى قوله تعالى: (ما زاغ البصر وما طغى) (1)، إنما أراد سبحانه به: أن البصر ما عدل عن رؤية جبرئيل (1) عليه السلام، بل أثبته إثباتا جليا، وعرفه عرفانا حقيقيا ! وقال سبحانه: (ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير) (2) أي: من عدل عن أمرنا، وقال لبيد بن ربيعة في ذلك: واحب المجامل بالجميل، وصرمه * باق إذا ضاقت وزاغ قوامها (3) أي: إذا عدلت النفس عن سنن الاستقامة، فلما كان الزائغ هو العادل عن الشئ، وكان الله سبحانه عادلا بالكفار عن روحه ورحمته وثوابه وجنته، من أجل عدولهم عن طاعته واتباع ما أمر به من عبادته، كان مزيغا لقلوبهم، وحسن اختصاص القلوب بذلك، لما تقدم من الكلام، ولو كان الله تعالى قال: فلما زاغوا عن الحق ازغناهم عنه، أو لما شكوا في الدين زدناهم تشكيكا فيه، لكان لقائل مقال ولطاعن مجال، فأما وليس في الكلام بيان الامر الذي أزاغهم عنه، فيجب رجوعنا إلى الادلة التي تدل على المعنى الذي يجوز في حكمته تعالى ان يعدل ________________________________________ (1) النجم: 17 (2) سبأ: 12. (3) احب: من الحبوة. المجامل: من المجاملة. الصرم: القطع، اي وانت على ما انت عليه مما اضمرت له في نفسك وهذا البيت من معلقته المشهورة، وفي روايته اختلاف. (1) انما الرؤية المعرفية لله تعالى، فشديد القوى هنا هو الله تعالى الذي اوحى إلى عبده ما اوحى لا جبرئيل، فلقد بلغت معرفته بالله مقام أو أدنى: انه لم يبق بينه وبين الله احد حتى نفسه - بونا معرفيا، لا زمنيا أو مكانيا - تعالى الله عنهما علوا كبيرا (راجع المقارنات) الصادقي. ________________________________________