[ 54 ] فصل (شهوة القبيح) يتضمن طرفا من الكلام في الشهورة يحتاج إليه في هذا الموضع فان قال قائل: إذا كانت الشهوة على قولكم من فعل الله تعالى، فيجب ألا يكون فيها شهوة القبيح، لانه سبحانه لا يفعل القبائح عندكم، وإلا كان ذلك ناقضا لقولكم ! قيل له: إنما كان يجب ما ذكرته لو ثبت أن تعلق الشهوة بالقبيح يقتضي قبحها، كما نقوله في الارداة، فلما لم يجب ذلك، كما لا يجب مثله في القدرة والعلم والخبر لانها أجمع وإن تعلقت بالقبيح، فهي حسنة فان قال: فيجب ان تكون كالارادة، لانها تدعو إلى القبيح (1) وتخالف سائر ما ذكرتموه. قيل له: إنما كان يجب ذلك لو ثبت في الارادة أنها داعية إلى القبيح، وأنها قبحت لهذه العلة، ونحن لا نسلم أنها داعية إلى ذلك، لانها تابعة للمراد فيما تدعو إليه (2) لا أنها هي الداعية إليه، ________________________________________ (1) فالشهوة والارادة يشتركان في علة القبح، وليس مثلهما العلم بالقبيح والاخبار به والقدرة عليه، لانها لا تدعو إلى القبيح. (2) معنى تابعية الارادة للمراد: أن المراد - بما فيه من مصلحة واغراض ودواع تلائم نفسية المريد - هو الذي يستثير الارادة المتعلقة به، فالارادة تابعة له من هذه الجهة، ويكون الداعي إلى القبيح هو ذلك الغرض، لا الارادة، فالدعوة إلى القبيح (التي هي علة القبح المزعوم في الشهوة) غير موجودة في الارادة حتى يصح قياس الشهوة بها لعلة مشتركة. ________________________________________