[ 373 ] ورأيت الابقاء على من بقى من الطائفة أبهج لى وآنس لقلبي من فنائها، وعلمت أنى إن حملتها على دعوة الموت ركبته، فأما نفسي فقد علم من حضر ممن ترى وممن غاب من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله أن الموت عندي بمنزلة الشربة الباردة في اليوم الشديد الحر من ذى العطش الصدى (1). ولقد كنت عاهدت الله عزوجل ورسوله أنا وعمى حمزة، وأخى جعفر، وابن عمى عبيدة على أمر وفينا به لله عزوجل ولرسوله، فتقدمني أصحابي، وتخلفت بعدهم لما أراد الله عزوجل، فأنزل الله فينا: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) (2) حمزة، وجعفر، وعبيدة (3)، وأنا والله المنتظر - يا أخا اليهود وما بدلت تبديلا. وما سكتنى عن ابن عفان وحثنى على الامساك إلا أنى عرفت من أخلاقه فيما اختبرت منه بما لن يدعه حتى يستدعى الاباعد إلى قتله وخلعه، فضلا عن الاقارب، وأنا في عزلة، فصبرت حتى كان ذلك، لم أنطق فيه بحرف من " لا " ولا " نعم " ثم أتانى القوم، وأنا علم الله كاره، لمعرفتي بما يطمعون (4) به من اعتقال (5) الاموال والمرح (6) في الارض، وعلمهم بأن تلك ليست لهم عندي، شديد (7) عادة منتزعة، فلما لم يجدوا عندي تعللوا ________________________________________ 1) الصدى (بفتح الصاد المهملة كعصا): العطش الشديد. 2) الاحزاب: 23. 3) في الاختصاص: فمن قضى نحبه حمزة وعبيدة وجعفر. 4) في البحار، والخصال المطبوع: " بما تطاعموا به " وقال في البحار في بيان الحديث: قوله: " بما تطاعموا به " أي بما أوصل كل منهم إلى صاحبه في دولة الباطل طعمه ولذته. 5) اعتقال الاموال: اكتسابها وضبطها من قولهم: عقل البعير واعتقله إذا شد يديه، وفى بعض النسخ: " اعتقاد الاموال " بالدال. ويؤل إلى المعنى الاول، يقال: اعتقد ضيعة ومالا أي اقتناها. 6) المرح (بفتح الميم والراء المهملة): النشاط والفرح الشديد. 7) قال في البحار: قوله: " وشديد عادة منتزعة " كذا فيما عندنا من النسخ، ولعل قوله: " عادة " مبتدا، و " شديد " خبره، أي انتزاع العادة وسلبها شديد. ________________________________________