[ 375 ] النواقص العقول والحظوظ على كل حال، كعادة بنى الاصفر (1) ومن مضى من ملوك سبأ والامم الخالية، فإصبر (2) على ما كرهت أولا وآخرا، وقد أهملت المرأة وجندها يفعلون ما وصفت بين الفريقين من الناس، ولم أهجم على الامر إلا بعد ما قدمت وأخرت، فتأنيت وراجعت، وأرسلت وسافرت، وأعذرت وأنذرت، وأعطيت القوم كل شئ التمسوه بعد أن أعرضت عليهم كل شئ لم يلتمسوه. فلما أبوا إلا تلك أقدمت عليها، فبلغ الله بى وبهم ما أراد، وكان لى عليهم بما كان منى إليهم شهيدا، ثم التفت إلى أصحابه فقال: أليس كذلك ؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين. فقال عليه السلام: وأما السادسة - يا أخا اليهود فتحكيمهم الحكمين ومحاربة ابن آكلة الاكباد، وهو طليق بن طليق، معاند لله ولرسوله وللمؤمنين منذ بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله إلى أن فتح الله عليه مكة عنوة، فأخذت بيعته وبيعة أبيه لى معه في ذلك اليوم وفى ثلاثة مواطن بعده، وأبوه بالامس أول (3) من سلم على بإمرة المؤمنين، وجعل يحثنى على النهوض في أخذ حقى من الماضين قبلى، يجدد لى بيعته كلما أتانى. وأعجب العجب أنه لما رأى ربى تبارك وتعالى قد رد إلى حقى، وأقره في معدنه، وانقطع طمعه أن يصير في دين الله رابعا، وفى أمانة حملناها حاكما، كر على العاصى بن العاص فاستماله، فمال إليه، ثم أقبل به بعد أن أطمعه مصر، وحرام عليه أن يأخذ من الفئ دون قسمه درهما، وحرام على الراعى إيصال درهم إليه فوق حقه، فأقبل يخبط البلاد بالظلم، ويطأها بالغشم (4)، فمن بايعه أرضاه، ومن خالفه ناواه. ________________________________________ 1) المراد ببنى الاصفر أهل الروم لان أباهم الاول كان أصفر اللون، وهو روم بن عيصو بن إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام. 2) في المصدر المطبوع، والبحار، والاختصاص: " فأصير إلى ما كرهت ". 3) يعنى أبا سفيان في أول خلافة أبى بكر. 4) الغشم: الظلم. ________________________________________