[ 127 ] الحق، والمفارقات المحضة من ملائكته القدسية، وفي متن الدهر الذي هو ظرف مطلق الحصول القار والثبات البات ووعاء عالم الوجود كله، وإنما البداء في القدر وفي امتداد الزمان الذي هو افق التقضي والتجدد، وظرف التدريج والتعاقب، وبالنسبة إلى الكائنات الزمانية ومن في عالم الزمان والمكان وإقليم المادة والطبيعة، وكما حقيقة النسخ عند التحقيق انتهاء الحكم التشريعي وانقطاع استمراره لارفعه وارتفاعه من وعاء الواقع فكذا حقيقة البداء عند الفحص البالغ انبتات استمرار الامر التكويني، وانتهاء ________________________________________ * البداء، وقول أبى عبد الله عليه السلام: " ما بدا لله في شئ كما بدا له في اسماعيل " فانما أراد به ما ظهر من الله تعالى فيه من دفاع القتل عنه وقد كان مخوفا عليه من ذلك، مظنونا به فلطف له في دفعه عنه، وقد جاء الخبر بذلك عن الصادق عليه السلام فروى عنه عليه السلام أنه قال: " ان القتل قد كتب على اسماعيل مرتين فسألت الله في دفعه عنه فدفعه " وقد يكون الشئ مكتوبا بشرط فيتغير الحال فيه، قال الله تعالى: " ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده " فتبين أن الاجال على ضربين: ضرب منها مشترط يصح فيه الزيادة والنقصان، ألا ترى إلى قوله تعالى: " وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره الا في كتاب " وقوله تعالى: " ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض " فبين أن آجالهم كانت مشترطة في الامتداد بالبر والانقطاع بالفسوق، وقال تعالى - فيما خبر به عن نوح عليه السلام في خطابه لقومه -: " استغفروا ربكم انه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا " إلى آخر الايات، فاشترط لهم في مد الاجل وسبوغ النعم الاستغفار، فلما لم يفعلوه قطع آجالهم وبتر أعمارهم واستأصلهم بالعذاب: فالبداء من الله تعالى يختص ما كان مشترطا في التقدير، وليس هو الانتقال من عزيمة إلى عزيمة، ولا من تعقب الرأى - تعالى الله عما يقول المبطلون علوا كبيرا -. وقد قال بعض اصحابنا: ان لفظ البداء اطلق في أصل اللغة على تعقب الرأى والانتقال من عزيمة إلى عزيمة، وانما اطلق على الله تعالى على وجه الاستعارة كما يطلق عليه الغضب والرضا مجازا غير حقيقة، وان هذا القول لم يضر بالمذهب، إذ المجاز من القول يطلق على الله تعالى فيما ورد به السمع، وقد ورد السمع بالبداء على ما بينا. والذى اعتمدناه في معنى البداء انه الظهور على ما قدمت القول في معناه، فهو خاص فيما يظهر من الفعل الذى كان وقوعه يبعد في النظر (الظن خ ل) دون المعتاد، إذ لو كان في كل واقع من أفعال الله تعالى لكان الله تعالى موصوفا بالبداء في كل أفعاله وذلك باطل بالاتفاق. انتهى كلامه. أقول: انما أطلنا الكلام في نقل الاقوال حتى يتضح جلية الحال في هذه المرغمة والفرية الشائنة، وترى الباحث أن أقوال الشيعة التى تعرب عن معتقداتهم قديما وحديثا تكذب ما عزاه المخالفون الينا، وأنهم لم يلتزموا بالصدق والامانة فيما يكتب عن الشيعة بل التزموا بضدها ولم يتركون قوس افكهم منزعالم يرموا بها الشيعة، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تودلو أن بينها وبينه أمدا بعيدا والله خبير بما يعملون. ________________________________________