[114] وأنس وابن عازب ومجاهد وقتادة والضحاك أنه لما نزل تحريم الخمر والميسر قالت الصحابة: يا رسول الله ما تقول في إخواننا الذين مضوا وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر ؟ فانزلت هذه الآية، وقيل: إنها نزلت في القوم الذين حرموا على أنفسهم اللحوم وسلكوا طريق الترهب كعثمان بن مظعون وغيره فبين الله لهم أنه لا جناح في تناول المباح مع اجتناب المحرمات " إذا ما اتقوا " شربها بعد التحريم " وآمنوا " بالله " وعملوا الصالحات " أي الطاعات " ثم اتقوا " أي داموا على الاتقاء " وآمنوا " أي داموا على الايمان " ثم أتقوا " بفعل الفرائض " وأحسنوا " بفعل النوافل، وعلى هذا يكون الاتقاء الاول اتقاء الشرب بعد التحريم والاتقآء الثاني هو الدوام على ذلك، والاتقاء الثالث اتقاء جميع المعاصي وضم الاحسان إليه، وقيل: إن الاتقاء الاول هو اتقاء المعاصي العقلية التي يختص المكلف ولا يتعداه، والايمان الاول الايمان بالله تعالى، وبما أوجب الله الايمان به والايمان بقبح هذه المعاصي ووجوب تجنبها، والاتقاء الثاني هو الاتقاء عن المعاصي السمعية والايمان بقبحها ووجوب اجتنابها، والاتقاء الثالث يختص بمظالم العباد، وربما يتعدى إلى الغير من الظلم والفساد. وقال أبو علي الجبائي: إن الشرط الاول يتعلق بالزمان الماضي والشرط الثاني يتعلق بالدوام على ذلك والاستمرار على فعله، والشرط الثالث يختص بمظالم العباد، ثم استدل على أن هذه الاتقاء يختص بالمظالم (1) بقوله: " وأحسنوا " فان الاحسان إذا كان متعديا وجب أن يكون المعاصي التي امروا باتقائها قبله أيضا متعدية وهذا ضعيف لانه لا تصريح في الآية بأن المراد به الاحسان المتعدي ولا يمتنع أن يريد بالاحسان فعل الحسن والمبالغة فيه وإن اختص الفاعل ولا يتعداه، كما يقولون لمن بالغ في فعل الحسن: أحسنت وأجملت، ثم لو سلم أن المراد به الاحسان المتعدي فلم لا يجوز أن يعطف فعل متعد على فعل لا يتعدى ؟ ولو صرح سبحانه وقال: واتقوا القبائح كلها وأحسنوا إلى غيرهم لم يمتنع، ولعل أبا علي إنما عدل في الشرط ________________________________________ (1) في المصدر: بمظالم العباد. ________________________________________
