[199] وحليف الهموم، وقرين الاحزان، ورصيد الافات، وصريع الشهوات (1) وخليفة الاموات. أما بعد فان فيما تبينت من إدبار الدنيا عني وجموح الدهر علي وإقبال الاخرة إلي ما يزعني عن ذكر من سواي (2) والاهتمام بما ورائي غير أني حيث تفرد بي دون هم الناس هم نفسي، فصدفني رأيي وصرفني عن هواي، وصرح لي محض أمري فأفضى بي إلى جد لا يرى معه لعب، وصدق لا يشوبه كذب (3) وجدتك بعضي بل وجدتك كلي (4) حتى كان شيئا لو أصابك أصابني، وحتى كان الموت لو أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما يعنيني عن أمر نفسي (5) فكتبت إليك كتابي، هذا مستظهرا به إن أنا بقيت لك أو فنيت (6). فاوصيك بتقوى الله يا بني، ولزوم أمره، وعمارة قلبك بذكره، والاعتصام بحبله، وأي سبب أوثق من سبب بينك وبين الله جل جلاله إن أخذت به فأحي قلبك بالموعظة، وأمته بالزهد، وقوة باليقين، ونوره بالحكمة، وذلله بذكر الموت، وقرره بالفناء (7) وأسكنه بالخشية، وأشعره بالصبر، وبصره فجائع الدنيا (8) وحذره صولة ________________________________________ (1) الحليف المحالف، والحلف - بالكسر وبالفتح -: المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد. والرصيد: الرقيب والذى يرصد. والصريع: الطريح. (2) جمع الفرس إذا غلب على صاحبه فلم يملكه. ويزعنى أي يمنعنى ويصدني. و لفظة " ما " مفعول " تبينت ". (3) صدفه: صرفه والضمير للرأى، والمحض: الخالص، وأفضى أي انتهى. والشوب المزج والخلط. (4) إذ كان هو الخليفة له والقائم مقامه ووارث علمه وفضائله. (5) عناني أي أهمنى من أمرك ما أهمنى من أمر نفسي. (6) كتب عليه السلام إليه هذه الوصية ليكون له ظهرا ومستندا يرجع إلى العمل بها في حالتى بقائه وفنائه عنه. (7) أي اطلب منه الاقرار بالفناء. (8) الفجائع جمع الفجيعة وهى المصيبة تفزع بحلولها. ________________________________________
