[204] يقال لك، واعلم أن الاعجاب ضد الصواب (1) وآفة الالباب، وإذا هديت لقصدك فكن أخشع ما تكون لربك [وأسعى في كدحك، ولا تكن خازنا لغيرك]. واعلم يا بني إن أمامك طريقا ذا مسافة بعيدة، وأهوال شديدة، وإنه لاغنا بك عن حسن الارتياد، وقدر بلاغك من الزاد (2) مع خفة الظهر، فلا تحملن على ظهرك فوق بلاغك، فيكون ثقيلا ووبالا عليك، وإذا وجدت من أهل الحاجة من يحمل لك زادك [إلى يوم القيامة] فيوافيك به [غدا] حيث تحتاج إليه فاغتنمه، واغتنم من استقرضك في حال غناك وجعل قضاءه لك في يوم عسرتك [وحمله إياه، وأكثر من تزويده وأنت قادر عليه فلعلك تطلبه فلا تجده] واعلم أن أمامك عقبة كؤودا (3) لا محالة أن مهبطها بك على جنة أو نار، فارتد لنفسك قبل نزولك. وأعلم أن الذي بيده خزائن ملكوت الدنيا والاخرة قد أذن لدعائك، وتكفل لاجابتك، وأمرك أن تسأله ليعطيك وهو رحيم كريم، لم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه، ولم يلجئك إلى من يشفع لك إليه، ولم يمنعك إن أسأت من التوبة ولم يعيرك بالانابة، ولم يعاجلك بالنقمة، ولم يفضحك حيث تعرضت للفضيحة ولم يناقشك بالجريمة، ولم يؤيسك من الرحمة، ولم يشدد عليك في التوبة، فجعل توبتك التورع عن الذنب، وحسب سيئتك واحدة وحسنتك عشرا، وفتح لك باب المتاب والاستعتاب، فمتى شئت سمع ندإك ونجواك فأفضيت إليه بحاجتك وأبثثته ذات نفسك (4) وشكوت إليه همومك، واستعنته على امورك، ثم جعل في يدك مفاتيح خزائنه بما أذن فيه من مسألته، فمتى شئت استفتحت بالدعاء أبواب خزائنه، فألحح ________________________________________ (1) الاعجاب: استحسان ما يصدر عن النفس. (2) الارتياد: الطلب أصله واوى من راد يرود، وحسن الارتياد: اتيانه من وجهه والبلاغ - بالفتح - الكفاية أي ما يكفى من العيش ولا يفضل. (3) الكؤود: صعبة شاقة المصعد. (4) أفضيت: ألقيت وأبلغت إليه. وأبث فلانا الخير: اطلعه عليه. ________________________________________
