[ 172 ] ولاجرم سلف منه ؟ قال: إن المرض على وجوه شتى: مرض بلوى، ومرض العقوبة، ومرض جعل عليه الفناء (1) وأنت تزعم أن ذلك من أغذية رديئة، وأشربة وبيئة، (2) أو من علة كانت بامه، وتزعم أن من أحسن السياسة لبدنه وأجمل النظر في أحوال نفسه وعرف الضار مما يأكل من النافع لم يمرض، وتميل في قولك إلى من يزعم أنه لا يكون المرض والموت إلا من المطعم والمشرب، قد مات أرسطاطا ليس معلم الاطباء، وأفلاطون رئيس الحكماء، وجالينوس شاخ (3) ودق بصره، وما دفع الموت حين نزل بساحته، ولم يألوا حفظ نفسهم والنظر لما يوافقها، كم من مريض قد زاده المعالج سقما ! وكم من طبيب عالم وبصير بالا دواء والادوية ماهر مات، وعاش الجاهل بالطب بعده زمانا ! فلا ذاك نفعه علمه بطبه عند انقطاع مدته وحضور أجله، ولاهذا ضره الجهل بالطب مع بقاء المدة وتأخر الاجل. ثم قال (عليه السلام): إن أكثر الاطباء قالوا: إن علم الطب لم يعرفه الانبياء، فما نصنع على قياس قولهم بعلم زعموا ليس تعرفه الانبياء الذين كانوا حجج الله على خلقه، وامناءه في أرضه، وخزان علمه وورثة حكمته، والا دلاء عليه، والدعاة إلى طاعته ؟ ثم إني وجدت أكثرهم يتنكب في مذهبه سبل الانبياء (4) ويكذب الكتب المنزلة عليهم من الله تبارك وتعالى، فهذا الذي أزهدني في طلبه وحامليه. قال فكيف تزهد في (5) قوم وأنت مؤد بهم وكبيرهم ؟ قال: إني لما رأيت الرجل منهم الماهر في طبه إذا سألته لم يقف على حدود نفسه، وتأليف بدنه وتركيب أعضائه، ومجرى الاغذية في جوارحه ومخرج نفسه، وحركة لسانه، ومستقر كلامه، ونور ________________________________________ (1) في المصدر: ومرض جعل علة للفناء. (2) أي ما كثر فيه الوباء. والوباء: كل مرض عام. وفى الحديث دلالة أن جرثوم الوباء وميكروبه يكون في المياه، كما أن ذلك يستفاد من الامام السجاد زين العابدين (عليه السلام) في الدعا 27 من الصحيفة في دعائه على المخالفين حيث قال: وامزج مياههم بالوباء، وأطعمتهم بالادواء. (3) شاخ: صار شيخا. والشيخ: من استبانت فيه السن وظهر عليه الشيب. (4) أي تجنبها وعدل عنها. (5) أي فكيف ترغب عنهم وتتركهم ؟. ________________________________________
