[ 192 ] واختلفوا في المزاج والخلاص فزعم بعضهم أن النور داخل الظلمة والظلمة تلقاه بخشونة وغلظ فتأذى بها وأحب أن يرققها ويلينها ثم يتخلص منها، وليس ذلك لاختلاف جسمها، (1) ولكن كما أن المنشار جنسه حديد وصفيحته لينة وأسنانه خشنة فاللين في النور، والخشونة في الظلمة، وهما جنس واحد فتلطف للنور بلينة حتى يدخل تلك الفرح، (2) فما أمكنه إبتلك الخشونة، فلا يتصور الوصول إلى كمال ووجود إلا بلين وخشونة. وقال بعضهم: بل الظلام احتال حتى تشبث بالنور من أسفل صفيحته فاجتهد النور حتى يتخلص منه ويدفعها عن نفسه فاعتمد عليه فلحج (3) فيه، وذلك بمنزلة الانسان الذي يريد الخروج من وحل وقع فيه فيعتمد على رجله ليخرج فيزداد ولوجا فيه، (4) فاحتاج النور إلى زمان ليعالج التخلص منه والتفرد بعالمه. وقال بعضهم: إن النور إنما دخل الظلام اختيارا ليصلحها ويستخرج منها أجزاء صالحة لعالمه، فلما دخل تشبث به زمانا فصار يفعل الجور والقبيح اضطرارا لااختيارا، ولو انفرد في عالمه ماكان يحصل منه إلا الخير المحض والحسن البحت، وفرق بين الفعل الضروري وبين الفعل الاختياري انتهى. (5) ________________________________________ = ولا تمييز، وزعموا أن الشر يقع منه طباعا وخرقا، وزعموا أن النور جنس واحد، وكذلك الظلام جنس واحد، وأن إدراك النور إدراك متفق، وأن سمعه وبصره وسائر حواسه شئ واحد، فسمعه هو بصره، وبصره هو حواسه، وانما قيل: سميع بصير لاختلاف التركيب، لا لانهما في نفسيهما شيئان مختلفان. وزعموا أن اللون هو الطعم، وهو الرائحة وهو المجسة، وإنما وجده لونا لان الظلمة خالطته ضربا من المخالطة، ووجده طعما لانها خالطته بخلاف ذلك الضرب، وكذلك تقول في لون الظلمة وطعمها ورائحتها ومجستها، وزعموا أن النور بياض كله (وأن الظلمة سواد كلها) لم يزل يلقى الظلمة بأسفل صفحته منه، وأن الظلمة لم تزل تلقاه بأعلى صفحته منها. (1) في المصدر: وليس ذلك لاختلاف جنسهما. (2) في نسخة: حتى يدخل فيما بين تلك الفرج. (3) لحج إليه: لجا. لحج السيف: نشب في الغمد فلا يخرج. بالمكان: لزمه. وفى نسخة: فولج فيه. وفى المصدر المطبوع بالقاهرة: فلجج فيه. (4) وفى المصدر المطبوع بالقاهرة: فيزداد لجوجا فيه. (5) الملل والنحل 2: 89 - 91 ط القاهرة، وص 124 ط ايران. ________________________________________
