[192] معناه ليس منامن لم يستغن به، ولا يذهب به إلى الصوت. وقد روي: أن من قرأ القرآن فهو غني لا فقر بعده، وروي: أن من اعطي القرآن فظن أن أحدا اعطي أكثر مما اعطي، فقد عظم صغيرا وصغر كبيرا، فلا ينبغي لحامل القرآن أن يرى أحدا من أهل الارض أغنى منه ولو ملك الدنيا برحبها. ولو كان كما يقوله قوم: إنه الترجيع بالقراءة، وحسن الصوت لكانت العقوبة قد عظمت في ترك ذلك أن يكون من لم يرجع صوته بالقرءة فليس من النبي صلى الله عليه وآله حين قال: ليس منا من لم يتغن بالقرآن (6). ________________________________________ < - بطول المقام أشبه منه بالاستغناء لان المقام يوصف بالطول ولا يوصف الاستغناء بذلك فيكون معنى الخبر على هذا الوجه: من لم يقم على القرآن فليس منا، أي فلا يتجاوزه إلى غيره، ولا يتعداه إلى سواه، ويتخذه مغنى ومنزلا ومقاما. أقول وقد أنشد بيت الاعشى " طويل الثواء طويل التغن " كما في شرح شواهد الكشاف ص 146، واستدل به على أن التغني قد يجئ بمعنى الاقامة، ولكن استشهد به في التاج على أنه بمعنى الاستغناء كما في أقرب الموارد. (6) في كلام أبى عبيد هذا نظر، فان قوله صلى الله عليه وآله " من لم يتغن بالقرآن فليس منا " على أن يكون أراد به الغناء، ليس أنه كل من لم يرجع صوته بغناء القرآن فليس منه، بل من كان حسن الصوت قادرا على الغناء، ومع ذلك لم يرجع صوته بغناء القرآن زعما منه أن ذلك خطاء وبدعة أو لهو لا يليق بالقرآن الكريم. فكلامه صلى الله عليه وآله هذا كقوله " من ترك الحية خوفا من تبعتها فليس منى " يعنى حية الوادي، فمن تركها ولم يقتلها زعما منه أنها مخلوقة لله تعالى لها حياة وروح شاعرة، وقتلها ابادة لخلقة وأذية وألم لها فليس منه، لا أن من رأى الحية ولم يجسر أن يقتلها خوفا على نفسه، أو لغير ذلك من الاعذار، فليس منه، ومثل هذا في الاخبار كثير والذى عندي أن العرب في قوله " تغنى " يذهب إلى معنى الصوت وطنينه ولا يلتفت إلى معناه الاصلى وهو ضد الفقر، فكأنه مأخوذ من الكلمة الجامدة وهى الغنة: طنين صوت الذباب والنحل، وهى من الانسان صوته من قبل خيشومه فإذا قيل: تغنى أو غنى بالشعر يعنى أنه رفع صوته بالشعر ونحوه حتى طن - > ________________________________________
