[123] لانظار أهل هذه الدار، ولان الانبياء قبله بعثوا بالتصريح لا بالتعريض. فكان النبي صلى الله عليه وآله فيهم إذا صدع بأمر الله وأجابه قومه، سلموا وسلم أهل دارهم من سائر الخليقة، وإن خالفوه هلكوا وهلك أهل دارهم بالآفة التي كانت نبيهم يتوعدهم بها، ويخوفهم حلولها ونزولها بساحتهم، من خسف أو قذف أو زجر (1) أو ريح أو زلزلة أو غير ذلك من أصناف العذاب، التي هلكت بها الامم الخالية وإن الله علم من نبينا ومن الحجج في الارض الصبر على ما لم يطق من تقدمهم من الانبياء الصبر على مثله، فبعثه الله بالتعريض لا بالتصريح، وأثبت حجة الله تعريضا لا تصريحا بقوله في وصيه: " من كنت مولاه فهذا مولاه " " وهو مني بمنزلة هرون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ". وليس من خليقة النبي ولا من شيمته أن يقول قولا لا معنى له، فيلزم الامة أن تعلم أنه لما كانت النبوة والاخوة موجودتين في خلقة هارون، ومعدومتين فيمن جعله النبي صلى الله عليه وآله بمنزلته، أنه قد استخلفه على امته كما استخلف موسى هارون حيث قال: " اخلفني في قومي " (2) ولو قال لهم: لا تقلدوا الامامة إلا فلانا بعينه، وإلا نزل بكم العذاب لاتاهم العذاب الاليم، وزال باب الانظار والامهال. وبما أمر بسد باب الجمع وترك بابه، ثم قال: ما سددت ولا تركت ولكنني امرت فأطعت، فقالوا: سددت بابنا وتركت لاحدثنا سنا، فأما ما ذكروه من حداثة سنه فان الله لم يستصغر يوشع بن نون حيث أمر موسى أن يعهد الوصية إليه، وهو في سن ابن سبع سنين، ولا استصغر يحيى وعيسى لما استودعهما عزائمه وبراهين حكمته وإنما فعل ذلك جل ذكره لعلمه بعاقبة الامور، وأن وصيه لا يرجع بعده ضالا ولا كافرا. وبأن عمد النبي صلى الله عليه وآله إلى سورة براءة فدفعها إلى من علم أن الامة تؤثره على وصيه، وأمره بقراءتها على أهل مكة، فلما ولى من بين أيديهم أتبعه بوصيه، وأمره بارتجاعها منه، والنفوذ إلى مكة ليقرأها على أهلها وقال: ________________________________________ (1) أو رجف خ. (2) الاعراف: 142. ________________________________________