[ 185 ] كتاب لا يشتمل على سب آلهتهم والطعن في طرائقهم، فأمر بأن يجيبهم بأن هذا التبديل غير جائز مني " إن أتبع إلا ما يوحى إلي " وإنما لم يتعرض للاتيان بقرآن غير هذا لانه لما بين أنه لا يجوز له أن يبدله من تلقاء نفسه لانه وارد من الله تعالى، ولا يقدر على مثله كما لا يقدر سائر العرب على مثله، وكان ذلك متقررا في نفوسهم بسبب ما تقدم من تحديه لهم بمثل هذا القرآن فقد دلهم بذلك على أنه لا يتمكن من قرآن غير هذا، ثم لما كان هذا الالتماس لاجل أنهم اتهموه بأنه هو الذي يأتي بهذا الكتاب من عند نفسه على سبيل الاختلاق، فلهذا احتج عليهم بأن اولئك الكفار كانوا قد شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وآله من أول عمره إلى ذلك الوقت، وكانوا عالمين بأحواله، وأنه ما طالع كتابا، ولا تلمذ (1) لاستاذ، ولا تعلم من أحد، ثم بعد انقراض أربعين سنة على هذا الوجه جاءهم بهذا الكتاب العظيم المشتمل على نفائس علم الاصول، ودقائق علم الاحكام، ولطائف علم الاخلاق، وأسرار قصص الاولين، وعجز عن معارضته العلماء، والفصحاء، والبلغاء فكل من له عقل سليم فإنه يعرف أن مثل هذا لا يحصل إلا بالوحي والالهام من الله، فقوله: " لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به " حكم منه صلى الله عليه وآله بان هذا القرآن وحي من عند الله، وقوله: " فقد لبثت فيكم عمرا من قبله " إشارة إلى الدليل الذي قررناه، قوله: " ولا أدراكم به " أي ولا اعلمكم به (2)، وقال في قوله تعالى: " وما كان هذا القرآن أن يفترى ": حاصله أن هذا القرآن لا يقدر عليه أحد إلا الله عزوجل، ثم إنه احتج على هذه الدعوى بامور: الاول: " قوله " ولكن تصديق الذي بين يديه " وتقريره من وجوه: الاول: أنه صلى الله عليه وآله كان رجلا اميا ما سافر إلى بلدة لاجل التعلم، وما كانت مكة بلدة العلماء، وما كان فيها شئ من كتب العلم، ثم إنه صلى الله عليه وآله أتى بهذا القرآن، وكان مشتملا على أقاصيص (3)، والقوم كانوا في غاية العداوة له، فلو لم تكن هذه الاقاصيص موافقة لما في التوراة والانجيل لقدحوا فيه، ولبالغوا في الطعن فيه، فلما لم يفعلوا علمنا ________________________________________ (1) على وزن دحرج. (2) مفاتيح الغيب 4: 816 و 817، أقول: هذا ملخص كلامه. (3) في المصدر: على أقاصيص الاولين. [ * ] ________________________________________
