[ 190 ] تعلم أن الاهليلجة نابتة في الارض وأن عروقها مؤلفة إلى أصل، وأن الاصل متعلق بساق متصل بالغصون، والغصون متصلة بالفروع، والفروع منظومة بالاكمام والورق، وملبس ذلك كله الورق، ويتصل جميعه بظل يقيه حر الزمان وبرده ؟. قال: أما الاهليلجة فقد تبين لي اتصال لحائها وما بين عروقها وبين ورقها ومنبتها من الارض، فأشهد أن خالقها واحد لا يشركه في خلقها غيره لاتقان الصنع واتصال الخلق وايتلاف التدبير وإحكام التقدير. قلت: إن أريتك التدبير مؤتلفا بالحكمة والاتقان معتدلا بالصنعة، محتاجا بعضه إلى بعض، متصلا بالارض التي خرجت منه الاهليلجة في الحالات كلها أتقر بخالق ذلك ؟ قال: إذن لا أشك في الوحدانية. قلت: فافهم وافقه ما أصف لك: ألست تعلم أن الارض متصلة بإهليلجتك وإهليلجتك متصلة بالتراب، والتراب متصل بالحر والبرد، والحر والبرد متصلان بالهواء والهواء متصل بالريح، والريح متصلة بالسحاب، والسحاب متصل بالمطر، والمطر متصل بالازمة، والازمنة متصلة بالشمس والقمر، والشمس والقمر متصلتان بدوران الفلك، والفلك متصل بما بين السماء والارض صنعة ظاهرة، وحكمة بالغة، وتأليف متقن، وتدبير محكم، متصل كل هذا ما بين السماء والارض، لا يقوم بعضه إلا ببعض، ولا يتأخر واحد منهما عن وقته، ولو تأخر عن وقته لهلك جميع من في الارض من الانام والنباتات ؟ قال: إن هذه لهي العلامات البينات، والدلالات الواضحات التي يجري معها أثر التدبير، بإتقان الخلق والتأليف مع إتقان الصنع، لكني لست أدري لعل ما تركت غير متصل بما ذكرت. قلت: وما تركت ؟ قال: الناس. قلت: ألست تعلم أن هذا كله متصل بالناس، سخره لها المدبر الذي أعلمتك أنه إن تأخر شئ مما عددت عليك هلكت الخليقة، وباد جميع ما في الحديقة، وذهبت الاهليلجة التي تزعم أن فيها منافع الناس ؟. قال: فهل تقدر أن تفسر لي هذا الباب على ما لخصت لي غيره ؟ قلت: نعم ابين لك ذلك من قبل إهليلجتك، حتى تشهد أن ذلك كله مسخر لبني آدم. قال: وكيف ذلك ؟ قلت: خلق الله السماء سقفا مرفوعا، ولولا ذلك اغتم خلقه لقربها، وأحرقتهم ________________________________________
