[ 192 ] ونخلا، وحدائق غلبا، وفاكهة وأبا، بتدبير مؤلف مبين، بتصوير الزهرة والثمرة حياة لبني آدم، ومعاشا يقوم به أجسادهم، وتعيش بها أنعامهم التي جعل الله في أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين، والانتفاع بها والبلاغ على ظهورها معاشا لهم لا يحيون إلا به، وصلاحا لا يقومون إلا عليه، وكذلك ما جهلت من الاشياء فلا تجهل أن جميع ما في الارض شيئان: شئ يولد، وشئ ينبت، أحدهما آكل، والآخر مأكول، ومما يدلك عقلك أنه خالقهم ما ترى من خلق الانسان وتهيئة جسده لشهوة الطعام، والمعدة لتطحن المأكول، ومجاري العروق لصفوة الطعام، وهيأ لها الامعاء، ولو كان خالق المأكول غيره لما خلق الاجساد مشتهية للمأكول وليس له قدرة عليه. قال: لقد وصفت صفة أعلم أنها من مدبر حكيم لطيف قدير عليم، قد آمنت وصدقت أن الخالق واحد سبحانه وبحمده، غير أني أشك في هذه السمائم القاتلة أن يكون هو الذي خلقها لانها ضارة غير نافعة، قلت: أليس قد صار عندك أنها من غير خلق الله ؟ قال: نعم لان الخلق عبيده ولم يكن ليخلق ما يضرهم. قلت: سابصرك من هذا شيئا تعرفه ولا انبئك إلا من قبل إهليلجتك هذه وعلمك بالطب، قال: هات. قلت: هل تعرف شيئا من النبت ليس فيه مضرة للخلق ؟ قال: نعم. قلت: ما هو ؟ قال: هذه الاطعمة. قلت: أليس هذا الطعام الذي وصفت يغير ألوانهم، ويهيج أوجاعهم حتى يكون منها الجذام والبرص والسلال (1) والماء الاصفر، وغير ذلك من الاوجاع ؟ قال: هو كذلك ؟ قلت: أما هذا الباب فقد انكسر عليه. قال: أجل. قلت: هل تعرف شيئا من النبت ليس فيه منفعة ؟ قال: نعم. قلت: أليس يدخل في الادوية التي يدفع بها الاوجاع من الجذام والبرص والسلال وغير ذلك، ويدفع الداء ويذهب السقم مما أنت أعلم به لطول معالجتك قال: إنه كذلك. قلت: فأخبرني أي الادوية عندكم أعظم في السمائم القاتلة ؟ أليس الترياق ؟ ________________________________________ (1) السل بالكسر في اللغة الهزال، وفي الطب القديم قرحة في الرية، وانما سمى المرض به لان من لوازمه هزال البدن، ولان الحمى الدقية لازمة لهذه القرحة. ________________________________________