[ 318 ] نفسي: قد تكلم هذا الفتى على سري، ونطق بما في نفسي، وسماني باسمي، وما فعل هذا إلا وهو ولي الله، ألحقه وأسأله أن يجعلني في حل، فأسرعت وراءه، فلم ألحقه، وغاب عن عيني، فلم أره. وارتحلنا حتى نزلنا واقصة (1)، فنزلت ناحية من الحاج، ونظرت فإذا صاحبي قائم يصلي على كثيب رمل، وهو راكع وساجد، وأعضاؤه تضطرب، ودموعه تجري من خشية الله (عزوجل)، فقلت: هذا صاحبي، لامضين إليه، ثم لاسألنه أن يجعلني في حل، فأقبلت نحوه، فلما نظر إلي مقبلا قال لي: يا شقيق * (وإنى لغفار لمن تاب وءامن وعمل صالحا ثم اهتدى) * (2) ثم غاب عن عيني فلم أره، فقلت: هذا رجل من الابدال (3)، وقد تكلم على سري مرتين، ولو لم يكن عند الله فاضلا ما تكلم على سري. ورحل الحاج وأنا معهم، حتى نزلنا بزبالة (4)، فإذا أنا بالفتى قائم على البئر، وبيده ركوة يستقي بها ماء، فانقطعت الركوة في البئر، فقلت: صاحبي والله، فرأيته قد رمق السماء بطرفه، وهو يقول: أنت ربي إذا ظمأت إلى الما * ء وقوتي إذا أردت الطعاما إلهي وسيدي مالي سواها، فلا تعدمنيها. قال شقيق: فو الله، لقد رأيت البئر وقد فاض ماؤها حتى جرى على وجه الارض، فمد يده، فتناول الركوة، فملاها ماء، ثم توضأ، فأسبغ الوضوء، وصلى ركعات، ثم مال إلى كثيب رمل أبيض، فجعل يقبض بيده من الرمل ويطرحه في الركوة، ثم يحركها ويشرب، فقلت في نفسي: أتراه قد حول الرمل سويقا ؟ ! فدنوت منه فقلت له: أطعمني رحمك الله، من فضل ما أنعم الله به عليك. ________________________________________ (1) منزل بطريق مكة، ينزله الحاج، دون زبالة بمرحلتين، معجم البلدان 5: 354. (2) طه 20: 82. (3) قوم من الصالحين لا تخلو الدنيا منهم، سموا بذلك لانهم كلما مات واحد منهم أبدل الله مكانه آخر. انظر " النهاية 1: 107، مجمع البحرين - بدل - 5: 319 ". (4) قرية عامرة بين واقصة والثعلبية بطريق مكة من الكوفة. معجم البلدان 3: 129. ________________________________________
