ـ(88)ـ
النصوص والقواعد العامة... ومقتضى هذا النوع من التعاريف إلحاقها بالسنة... وأما على تعريفها الآخر فينحصر إدراكها بالعقل والذي ينبغي أن يقال عنها أنها تختلف من حيث الحجية باختلاف ذلك الإدراك... وبهذا يتضح أن الشيعة لا يقولون بالمصالح المرسلة الا ما رجع منها إلى العقل على سبيل الجزم"(1).
وهكذا نجد على هذا المستوى من البحث أن التلاقي بين الفريقين يتم في هذه المرحلة أيضاً وإن كان الاختلاف يتحقق أحياناً في تشخيص المصاديق.
والذي أود أن أضيفه هنا هو أن العمل بالمصالح المرسلة أمرٌ طبيعي في حدوده الطبيعية، وإن الذي تم تطبيقه في الدولة الاسلامية مثال على ذلك، ذلك أن المصالح المنظورة هنا هي المصالح العامة أو المصالح التي تعود إلى عموم الأفراد، وهي التي ينظر إليها القائلون بالمصلحة المرسلة، ومع ذلك فان الأمر يعود إلى الحاكم الشرعي الولي الذي أوكلت إليه رعاية مصالح الأمة، والحاكم عادة يشكل مجالس لتشخيص المصالح المذكورة.
والفرق بين هذا وما يبحث عنه في بحث المصالح يتلخص في أمرين:
الأول: إيكال الأمر إلى الولي وأهل الخبرة العملية الذين يستشيرهم وعدم الاقتصار على النظرة الفردية لهذا الفقيه أو ذاك.
الثاني: أن الأحكام القائمة على المصلحة تبقى مؤقتة بمقدار قيام المصلحة ولا تشكل فتوى دائمة كما هو الحال لدى الفقهاء .
وقد نص الدستور الإسلامي في الجمهورية الاسلامية الإيرانية على إيجاد مجلس لتشخيص المصلحة يقوم على حل الخلاف بين مجلس الشورى الإسلامي ومجلس صيانة الدستور، كما يقوم ابتداءً بتشخيص المصالح العامة وتقديم المشورة للقائد الولي في مجال إدارة شؤون الأمة.
د- فتح الذرائع وسدها: والذريعة هي "الوسيلة المفضية إلى الأحكام الخمسة" كما ينتهي إليه الأستاذ، وهذا البحث ليس من مختصات مذهب دون آخر.
فالفقه الأمامي يبحث عن مقدمة الواجب ومقدمة الحرام. ورغم الاختلاف في النتائج فان البحث لا يعد غريباً على أي مذهب إسلامي. ولذا يقول: "والخلاصة أن جل من تعرفنا عليهم من الأصوليين - شيعة وسنة - باستثناء بعض محققيهم من المتأخرين هم من القائلين بفتح الذرائع وسدها وإن لم يتفقوا في حدود ما يأخذون منها وما يتركون"(2) وإن كان السيد الأستاذ يأخذ عليهم اعتبار ذلك أصلاً في مقابل بقية الأصول مع أنها لا تعدو كونها من صغريات السنة أو العقل.
هـ - العرف، عندما يتم تشخيص مجالات العرف وهي:
1- ما يستكشف منه حكم شرعي فيما لا نص فيه مثل الاستصناع، بل ما يستكشف منه أصل من أصول الفقه كالاستصحاب.
2- ما يرجع إليه لتشخيص بعض المفاهيم التي أوكل الشارع للعرف تحديدها كالإسراف.
3- ما يستكشف منه مراد المتكلمين.
عندما يتم هذا التشخيص يتوضح أن العرف لا يشكل أصلاً من الأصول لأنه يرجع إلى السنة إما بالإقرار كما في المجال الأول أو بتشخيص المصاديق كما في المجالين الآخرين. وبهذا التوضيح لا يبقى مجال للخلاف المعتد به.
هذه بعض الأمثلة سقناها مما كتبه السيد الأستاذ الحكيم، لنبرز الدور الرائع الذي لعبته بحوثه في مسألة التقريب بين المذاهب، وهناك أمثلة أخرى - سواء في هذا الكتاب أو في غيره - تؤكد هذه الحقيقة.
والواقع: أن فكرة التقريب بين المذاهب - وإن كانت قد طرحت مؤخراً كشعار اجتماعي لتحقيق قدر جيد من الوحدة الاسلامية - هي في الواقع واجب شرعيّ على كل الفقهاء لتقصّي الواقع والوصول إلى الحقيقة بروح موضوعية، والتخلص من كثير من سوء الفهم، والتهم التي تطلق على عواهنها لتضعيف هذا أو ذاك أو حتى لتكفير بعض المسلمين وهو أمرٌ خطير.
ـــــــــــــــــــــ
1- أصول الفقه المقارن / 404 .
2- ن . م / 514 .