/ صفحه 205/

الحركة التعيلمميّة في مصْرَ
في العصور الوسطى
لحضرة الكتاب الفاضل الأستاذ محمود رزق سليم
المدرس بكلية اللغة العربية
إن مشكلة التعليم في العصر الحديث من أهم المشاكل التي يعانيهم المجتمع المصري، اختلفت فيها الأراء، وافترقت المذاهب، وتعايرت النوايا.
وكلما أراد قوم أن يقيموا الدليل على خطأ الأخرين، وفساد ما يذهبون إليه رموهم بأنهم يعيشون بعقول أهل القرون الوسطى، وأنهم يصدرون عن مواردهم وينظرون إلى الشعب كما كان ينظر إليه ولا ته حينذاك.
فإذا كانوا يعنون بأهل العصور الوسطى، تلك الدول التي حكمت مصر في العصور المذكورة، وهى الفاطمية والأيوبية والمملوكية؛ فانى أعتقد أن في ذلك تجنياً كبيرا على أهل تلك العصور، وغمطا لجهودهم في سبيل العلم والتعليم، وإنكارا لماسجله لهم التاريخ من حسنات وأياد بيض، وحفظوا بها سلسلة العلم موصولة الحلقات، متتابعة الخطوات.
وحقاً إن بيننا وبينهم فوارق جلية، في انظر إلى التعليم، أوحى بها منطق العصر، وسياق الحوادث، ونظم الددولة، فلم تكن هناك ـ مثلا ـ سياسة تعليمية عامة يدوعو إليها الشعب، وينفذها أولو الأمر، ولم تكن الحكومات تقوم بما تقوم به من التعليم، إلا على أنه منحة تمنحها الشعب، وصدقة تتصدق بها عليه، لا على أنه حق من حقوقه يؤدَّى إليه.
على أن هذه الاعتبارات، على وجاهتها وأهميتها، شكلية، بالنسبة إلى جوهر التعليم، ذلك التعليم الذي كانت سبله ميسرة، وطرقة معبدة، وأبوابه مفتحة، تشيد له الدور، وترد عليها الأموال، وترضد الأواقف، ويتأنق في اختيار أساتذتها، ويوصى بطلابها.
وما خبر الأزهر عنا ببعيد، فقد أسسه الفاطمينون، حين أإسسوا قاهرتهم المجيدة، وجعلوا منه منازة للعلم، ومثابة للطلاب، ولا يطعن فيه أنهم اتخذوه منبرا عما ومركز اهاما، للدعاية الشيعية، فالمذهب الشيعى ـ وإن لم يلتئم مع ما عليه جمهور المسلمين في مصر ـ لا ينبغى أن ننظر إليه كل هذا النظر الشزر، بل علينا أن ندرسه، ونتفهم كنهه، ونسبر غوره، ونكشف عن مكنون فلسفته، فاذا وصلنا إلى ذلك، بدالنا أنه ذو متات بالفكر وثيق، وأنه لون من ألوان العلم، وأن دراستة في الأزهر حينذالك، وإقامة داعى الدعاة للتبشير به، واستدارج العقول إليه، كان إحدى النزعات العلمية في ذلك الحين، وإن تأبى عليه جمهور المصريين، ولا مبالغة إذا اعتبرناه المنهج التعليمى أو السياسة التعليمية التي أخذ ملوك الفاطميين أنفسهم بنشرها في البلاد.
ولا ننسى أن الدول العربية ـ أو الإسلامية ـ التي قامت في تلك العصور اتخذت من الدين دعامة كبرى تؤسس عليها، وتستند إليها، متوخية في كثير من محاولاتها، النزوع الديني، والاتجاه الاعتقادي، لدى شعوبها ورعاياها، ولهذا كانت مغامرة كبرى من ملوك الفاطميين أن يحاولوا تشييع مصر، تلك البلاد التي كان مركز الشافعية بها وطيدا، وكانت مهجرا ومثوى لإمامها الجليل، حتى وقرفى نفوس كثير من الشافعية أن البلاد بلادهم، وأنهم حكامها، وأنه لا بقاء فيها لحاكم غير شافعي، فكانت مغامرة جرئية لا قت مناهضات كثيرة ومقاومات عدة
وكان صلاح الدين الأيوب أنجح منهم سياسة وأثقب بصرا، إذ أنه سلك إلى استقامة ملكه مسالك عدة. فأقبل على تأييد مذهب الشافعية؛ والتمكين له؛ وإبادة آثار الفاطميين العلمية؛ وتلك نكبة بلا ريب يشعر بها كل حريص على نزاهة البحث العلمى ـ أيا كانت فكرته المذهبية ـ . غير أن صلاح الدين قدم لشعب وللمسلمين من الحسنات، ماقد يكفر عن هذه الزلة