/ صفحه 218/
ونستنتج من عبارة صدر الدين أنه جزع من مقابلة أهل عصره لما أراد أن يدلى به إليهم من حكمة في مجالس العلم وحلقات التدريس، ويئس من قبولهم لآرائه، فاضطر أن يلتزم الصمت، وألا يتكلم في العلوم، وحز في نفسه أيضاً أنهم كانوا يحسنون الإصغاء إلى من كانوا بالنسبة إليه كالعوام، فعزم على كره منه أن يأوى إلى جانب العزلة والخمول في جبال قم، وابتعد عن العلم مدة طويلة، خاف أن يؤدى امتدادها مع شعور بالغم والخيبة إلى جمود القريحة وبلادة الفكر، ولكن الله تداركه بفيض من نعمته ورحمته، فكانت حاله مصداقا لقوله تعالى:
"و عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم" وذلك أنه عندما اضطر إلى الاعتزال والابتعاد عن التصرف، في العلوم أتاح له الوقت أن يهضم ما حصّل، وكان تحصيله عظيما، وأن يتمثل جميع ما وعى وحفظ، وأن يقلب المسائل والمذاهب متأملا في نفسه جميع ماورد عليه فيها من مقالات، فاستطاع أن يميز بين ما ينبغى نبذه وما ينبغى التمسك به والاعتماد عليه واهتدى بعخ كل ذلك إلى ما آمن بأنه وجه الحق الصريح، ولذلك جاء مذهبه مستقيما لا عوج فيه ولا زيغ، صافيا لا أثر للتناقض في معانيه، وهو يشرح هذا التطور فيقول بعخ وصفه لما حل به من كرب وضيق، على نحو ما نقلنا عنه، إنه رأى يقتخى بالإمام على (عليه السلام)، في جميل صبره على الأذى، وفى عدم اكتراثه بمعاداة الزمان؛ ثم توجه بكل قواه نحو مسبب الأسباب، وتضرع إليه أن يسهل له الأمور الصعباب، وأخذ نفسه بشتى أنواع المجاهدة والرياضة حتى فاض عليه من أنوار الملكوت، ما جعله يطلع على أسرار لم يشهدها من قبل، فسأل الله أن يشد آزره ويشرح صدره، فنهضت عزيمته بعد القعود، وهبت همته بعد الركود، فأدمج العلوم ألإلهيه في الحكمة البحثية، وبذلك تمثل بقوله تعالى: "و من لم يجعل الله له نورا فما له من نور" واستغفر كثيرا لما ضيع من عمره في تتبع آراء الفلاسفة والمجادلين من أهل الكلام، واستبان له في آخر الأمر أن أن قياسهم عقيم، وصراطهم غير مستقيم.(1)
وسنتكلم في المقال الآتى إن شاء الله في تكوينه الدراسى وأساتذته وتلاميذه؟

ـــــــــــ
(1) الأسفار الأريعه، ج 1، ص 3، 4.