عاشوراء؛
ثقافةٌ خالدة للمقاومة ويقظة الأمة الإسلامية في فكر القائد الشهيد
في المنظومة الفكرية للقائد الشهيد، لا تُعدّ عاشوراء مجرد واقعة تاريخية أو حادثةً محصورةً بسنة 61 للهجرة، بل هي ثقافةٌ حيّةٌ ومتجددةٌ ذاتُ بُعدٍ حضاري، ظلّت عبر التاريخ الإسلامي مصدر إلهامٍ للحركات الإصلاحية، والنهضات التحررية، ومقاومة الاستبداد والهيمنة. ومن هذا المنطلق، فإن كربلاء ليست ذكرى تاريخية فحسب، وإنما نموذجٌ دائمٌ للحياة الفردية والاجتماعية للمسلمين؛ نموذجٌ تتجلّى فيه أسمى معاني الإيمان، والبصيرة، وتحمل المسؤولية، والتضحية، والصمود في مواجهة الظلم.
ويصف القائد الشهيد عاشوراء بأنها «مشهدٌ متكامل للحياة الإسلامية للإنسان». ويكشف هذا الوصف أن واقعة كربلاء ليست ميداناً للحزن والعزاء فحسب، وإنما مدرسةٌ شاملة لتربية الإنسان المسلم وبناء المجتمع الإسلامي. ففي هذه المدرسة يتعلّم الإنسان كيف يميّز بين الحق والباطل في أحلك الظروف، وكيف يثبت على طريق الحق رغم الضغوط والتهديدات، وكيف يبذل نفسه وماله دفاعاً عن القيم الإلهية.
ومن أهم أبعاد تحليل عاشوراء في فكر القائد الشهيد، الربط بين النهضة الحسينية والثورة الإسلامية. فهو يرى أن «الواقعة العظيمة لعاشوراء هي الركيزة الأساسية للثورة الإسلامية»، وأن «ثمرة دم الإمام الحسين (عليه السلام) قد أثمرت في أرضنا على هيئة شجرة الثورة الإسلامية». ووفق هذه الرؤية، لا تُعدّ الثورة الإسلامية ظاهرةً منفصلةً عن التاريخ الإسلامي، بل امتداداً للمسار التاريخي الذي انطلق في كربلاء لإحياء الدين، ومواجهة الانحراف، والتصدي للهيمنة والطغيان. ومن هذا المنظور، فإن الشعب الإيراني، من خلال تجربته في الثورة الإسلامية وصموده أمام الضغوط الخارجية، إنما يسير في الطريق الذي رسمه الإمام الحسين (عليه السلام) بقيامه المبارك.
وفي هذا الإطار، تُعلّم عاشوراء المسلمين قبل كل شيء ثقافة «عدم الخوف من العدو». وقد أكد القائد الشهيد مراراً أن كربلاء تمثل نموذجاً واضحاً يثبت أن ضخامة العدو الظاهرية لا ينبغي أن تدفع جبهة الحق إلى التردد أو التراجع. ويرى أن قوى الاستكبار والهيمنة تسعى دائماً إلى إرهاب الشعوب عبر استعراض قدراتها السياسية والاقتصادية والعسكرية، غير أن تجربة عاشوراء تؤكد أن الإرادة والإيمان والثبات قادرة على الانتصار على هذه القوى. ومن هنا، فإن الإمام الحسين (عليه السلام) يجسد في فكره رمز الثبات في مواجهة «السلطة الطاغوتية»، والكفاح من أجل تحرير الإنسان من الظلم والاستكبار.
ومن الجوانب الأخرى التي يبرزها هذا التصور، الدور الذي تؤديه مجالس العزاء الحسيني في صون الهوية الإسلامية واستمرار ثقافة المقاومة. فالقائد الشهيد يرى أن الفلسفة الأساسية للعزاء لا تقتصر على التعبير عن المشاعر، بل تتمثل في تقريب القلوب من أهداف الإمام الحسين (عليه السلام) ومبادئه. ولا تؤدي هذه المجالس رسالتها الحقيقية إلا إذا أسهمت في ترسيخ روح الإيثار، وتحمل المسؤولية، ومناهضة الظلم، والدفاع عن القيم الدينية داخل المجتمع. وبعبارة أخرى، فإن العزاء يحقق رسالته التاريخية حين يربط بين العاطفة الدينية والواجب الاجتماعي للمسلمين.
ومن النقاط الجوهرية في فكر القائد الشهيد الجمع بين «الدروس» و«العِبَر» في واقعة عاشوراء. فهو يؤكد أن كربلاء ليست مدرسةً للعمل فحسب، بل هي أيضاً إنذارٌ دائمٌ من مخاطر الانحراف. فدروس عاشوراء تتمثل في الاقتداء بسلوك الإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه في الدفاع عن الحق، أما العبرة منها فتتمثل في إدراك الأسباب التي أوصلت المجتمع الإسلامي إلى مرحلة يُستشهد فيها سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وإن الجمع بين هذين البعدين يمثل ضمانةً لحيوية المجتمعات الإسلامية وسلامة مسيرتها.
واليوم، في ظل ما يواجهه العالم الإسلامي من تحديات كالتفرقة، والهيمنة الأجنبية، والحروب بالوكالة، وأزمات الهوية، فإن إعادة قراءة ثقافة عاشوراء يمكن أن تؤدي دوراً استراتيجياً في تعزيز وحدة الأمة الإسلامية ويقظتها. فعاشوراء، وفق هذه الرؤية، ليست ملكاً لمذهبٍ بعينه ولا لقوميةٍ دون أخرى، وإنما هي رصيدٌ حضاري مشترك لجميع المسلمين، ورمزٌ عالمي لمقاومة الظلم، والدفاع عن الكرامة الإنسانية، والثبات على طريق الحق. ومن ثم، فإن كل محاولة لتحويل عاشوراء إلى قضيةٍ مثيرةٍ للخلاف تتعارض مع الرسالة الأصيلة لهذه النهضة المباركة.
وانطلاقاً من هذا المنهج، فإن عاشوراء ليست مجرد ذكرى لاستشهادٍ عظيم، بل هي ميثاقٌ حضاري لحياة الأمة الإسلامية؛ ثقافةٌ تُعلّم المسلمين ألا يصمتوا أمام الظلم، وألا يخشوا الأعداء، وأن يثقوا بوعد الله تعالى، وأن لا يدّخروا وسعاً في التضحية من أجل صيانة الدين وحفظ عزة الأمة الإسلامية.
أمید علي بور
رئيس تحرير المواقع الإلكترونية للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
