بيان الأزهر؛

من تبليغ الرسالة إلى تبرير الهيمنة وتجاهل دماء الأطفال الإيرانيين

من تبليغ الرسالة إلى تبرير الهيمنة وتجاهل دماء الأطفال الإيرانيين

مقدمة: عندما يتحول البيان من تبليغ الرسالة إلى تبرير الهيمنة

أثارت الصفحة المنسوبة إلى جامعة الأزهر في مصر جدلاً واسعاً بعد إصدارها بياناً أدانت فيه ما وصفته بـ«الاعتداءات الإيرانية غير المبررة» على دول مجلس التعاون الخليجي وبعض الدول العربية والإسلامية المجاورة. وقد دعا البيان الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى وقف أي عمليات عسكرية ضد الدول العربية واحترام سيادتها، متجاهلاً في الوقت نفسه العدوان الأمريكي والإسرائيلي المباشر، وكذلك استخدام أراضي وأجواء وإمكانات بعض الدول العربية في تنفيذ الهجمات ضد إيران.

يقول الله تعالى:

﴿ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُۥ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبًا﴾ (الأحزاب: 39).

إن وظيفة العلماء ليست إصدار البيانات المنسجمة مع موازين القوة السياسية أو المنفصلة عن الواقع، بل تبليغ رسالة الله كما هي، كاملة غير منقوصة، دون خوف من سلطان أو رهبة من المستكبرين.

وبهذا المعيار القرآني تُقاس المواقف وتُوزن البيانات: هل أصحابها من ورثة الأنبياء الذين يصدعون بالحق، أم ممن يخشون مراكز النفوذ والسلطة؟

إن بيان الأزهر لا يمكن اعتباره مجرد موقف سياسي عابر، بل يمثل وثيقة سياسية تحمل في طياتها رسائل ودلالات عميقة. فهو يوظف لغة الشريعة ومفردات الإسلام لا للدفاع عن المظلومين، بل لإدانة من يواجهون منظومة الهيمنة والاستكبار. وهنا تبرز مفارقة صادمة؛ إذ تغيب هذه اللغة عندما تُسفك دماء الأطفال في فلسطين، وعندما يُقتل الأبرياء تحت أنقاض منازلهم، وعندما تتعرض المدن والمستشفيات والمدارس للقصف، بينما تعود بقوة عندما يتعلق الأمر بإدانة من يمارسون حقهم في الدفاع عن أنفسهم.

أولاً: توصيف «العدوان غير المبرر» وتحريف ميزان الحقيقة

وصف بيان الأزهر العمليات الإيرانية بأنها «عدوان غير مبرر»، متجاهلاً حقيقة أساسية تتمثل في أن الأهداف المعلنة كانت قواعد عسكرية أمريكية استُخدمت في تنفيذ عمليات عسكرية ضد شعوب المنطقة.

إن تجريم رد الفعل مع تجاهل الفعل الأصلي لا يُعد حياداً، بل يمثل انحيازاً واضحاً وتبرئة للفاعل الأساسي وتحريفاً لمعيار العدالة.

ثانياً: دماء الأطفال... المعيار الغائب

يتحدث البيان عن «حماية أرواح الأبرياء»، غير أن السؤال الجوهري يبقى: أي أبرياء يقصد؟

أين كانت هذه اللغة الحادة عندما كان أطفال غزة يُحرقون أحياء داخل الخيام؟ وأين كانت عندما دُمّرت المدارس والمستشفيات في لبنان؟ وأين كانت عندما استهدفت المدارس والأسواق في اليمن؟ وأين كانت عندما سقط الأطفال والمدنيون ضحايا للغارات والاعتداءات العسكرية في إيران؟

إن العدالة الانتقائية ليست عدالة، والدماء التي تُقيَّم وفق الحسابات السياسية ليست دماءً متساوية في ميزان الأخلاق. وعندما تُستثنى بعض الضحايا من دائرة التعاطف والإدانة، فإننا نكون أمام أخلاق انتقائية تخدم خرائط النفوذ أكثر مما تخدم القيم الإنسانية.

كما يثار تساؤل مشروع حول المواقف الأخلاقية تجاه الجرائم والانتهاكات التي هزّت الرأي العام العالمي، ومنها قضايا استغلال الأطفال والاعتداء عليهم في الغرب. فأين كانت المواقف الدينية الصريحة؟ وأين كانت الفتاوى والإدانات الواضحة؟ إن الصمت في مثل هذه القضايا لا يمكن تقديمه دائماً باعتباره حياداً.

ثالثاً: بين مبادئ الإسلام والقانون الدولي... أيهما المرجعية؟

استند بيان الأزهر إلى قواعد القانون الدولي في إدانته للموقف الإيراني، لكنه تجاهل أن المرجعية الأولى للمسلمين هي مبادئ الإسلام وأحكامه التي تشكل أساساً أخلاقياً وتشريعياً شاملاً.

ومن المبادئ الإسلامية ذات الصلة:

• حق رد العدوان:
﴿فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُوا۟ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾.

• رفض هيمنة المعتدين على الأمة:
﴿وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾.

• حماية النفس الإنسانية دون تمييز بين طفل في غزة أو طفل في صنعاء أو طفل في طهران.

أما النظام الدولي الذي يُستشهد به أحياناً لإدانة قوى المقاومة، فهو النظام ذاته الذي عجز عن وقف المجازر الجماعية، ومنح الحصانة السياسية لكثير من المعتدين، ووصف في بعض الحالات مقاومة الاحتلال بالإرهاب.

وعندما يقع التعارض بين القيم الإسلامية وموازين القوى الدولية، فإن المرجعية النهائية للمسلم تبقى مبادئ العدالة التي جاء بها القرآن الكريم.

العلماء بين التقوى والتبعية السياسية

إن الفارق الحقيقي بين العلماء لا يكمن في حجم المعرفة أو المكانة العلمية، وإنما في مقدار الاستقلالية والشجاعة الأخلاقية.

فالعالم الرباني يخشى الله وحده ويقف مع الحق مهما كانت التبعات، بينما يتحول العالم المرتبط بالسلطة إلى مبرر للسياسات القائمة ومدافع عنها.

وقد حذّر كثير من علماء الأمة عبر التاريخ من خطورة توظيف الدين لتبرير الظلم أو الصمت تجاه الجرائم والانتهاكات، مؤكدين أن وظيفة العالم هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدفاع عن المظلومين لا توفير الغطاء الشرعي للهيمنة والاستبداد.

حق الدفاع عن النفس: بين الشرعية الدينية والقانونية

من الناحية الشرعية، يُعد دفع العدوان وحماية الأمة من الاعتداء من المبادئ المستقرة في الفقه الإسلامي.

ومن الناحية القانونية، تنص المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة على حق الدول في الدفاع عن نفسها ضد الاعتداءات المسلحة.

وعليه، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يقتصر على إدانة ردود الأفعال، بل يجب أن يبدأ أولاً من البحث في أسباب التوتر ومصادر العدوان ومن يتحمل مسؤولية إشعال الصراعات في المنطقة.

الخاتمة: كيف يُحكم على الأحداث؟

إن قراءة بيان الأزهر من حيث التوقيت والمضمون واللغة المستخدمة تثير أسئلة عميقة حول طبيعة الخطاب الديني الرسمي وعلاقته بالتحولات السياسية الجارية في المنطقة.

فالخلاف ليس مع الأزهر بوصفه مؤسسة علمية وتاريخية عريقة كان لها دور بارز في مقاومة الاستعمار والدفاع عن قضايا الأمة، وإنما مع الخطاب الذي يغيب عنه التوازن في التعامل مع المظالم والاعتداءات، ويبدو أكثر استعداداً لإدانة قوى المقاومة من إدانة الاحتلال والعدوان.

ويبقى التاريخ شاهداً على أن دماء الأطفال والأبرياء لا تسقط بالتقادم، وأن الأمم تحتفظ في ذاكرتها بمن وقف إلى جانب الحق ومن آثر الصمت أو الانحياز عندما كانت العدالة في أمسّ الحاجة إلى كلمة صادقة.

بقلم: عدنان عبدالله الجنيد
كاتب ومحلل يمني