والنور استعارة للبيان والحق ولذلك عطف على الهدى فأحكامها هادية وواضحة والظرفية . حقيقة والهدى والنور دلائلهما . ولك أن تجعل النور هنا مستعارا للإيمان والحكمة كقوله ( يخرجهم من الظلمات إلى النور ) فيكون بينه وبين الهدى عموم وخصوص مطلق أعم والعطف لأجل تلك المغايرة بالعموم .
والمراد بالنبيين فيجوز أنهم أنبياء بني إسرائيل موسى والأنبياء الذين جاءوا من بعده . فالمراد بالذين أسلموا الذين كان شرعهم الخاص بهم كشرع الإسلام سواء لأنهم كانوا مخصوصين بأحكام غير أحكام عموم أمتهم بل هي مماثلة للإسلام وهي الحنيفية الحق إذ لا شك أن الأنبياء كانوا على أكمل حال من العبادة والمعاملة ألا ترى أن الخمر ما كانت محرمة في شريعة قبل الإسلام ومع ذلك ما شربها الأنبياء قط بل حرمتها التوراة على كاهن بني إسرائيل فما ظنك بالنبي . ولعل هذا هو المراد من وصية إبراهيم لبنيه بقوله ( فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) كما تقدم هنالك . وقد قال يوسف عليه السلام في دعائه ( توفني مسلما وألحقني بالصالحين ) . والمقصود من الوصف بقوله ( الذين أسلموا ) على هذا الوجه الإشارة إلى شرف الإسلام وفضله إذ كان دين الأنبياء .
ويجوز أن يراد بالنبيين محمد صلى الله عليه وسلم وعبر عنه بصيغة الجمع تعظيما له .
واللام في قوله ( للذين هادوا ) للأجل وليست لتعدية فعل ( يحكم ) إذا الحكم في الحقيقة لهم وعليهم . والذين هادوا هم اليهود وهو اسم يرادف معنى الإسرائيليين إلا أن أصله يختص ببني يهوذا منهم فغلب عليهم من بعد كما قدمناه عند قوله تعالى ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابين ) الآية في سورة البقرة .
والربانيون جمع رباني وهو العالم المنسوب إلى الرب أي إلى الله تعالى . فعلى هذا يكون الرباني نسبا للرب على غير قياس كما قالوا : شعراني لكثير الشعر ولحياني لعظيم اللحية . وقيل : الرباني العالم المربي وهو الذي يبتدئ الناس بصغار العلم قبل كباره . ووقع هذا التفسير في صحيح البخاري . وقد تقدم عند قوله تعالى ( ولكن كونوا ربانيين ) في سورة آل عمران .
والأحبار جمع حبر وهو العالم في الملة الإسرائيلية وهو بفتح الحاء وكسرها لكن اقتصر المتأخرون على الفتح للتفرقة بينه وبين اسم المداد الذي يكتب به . وعطف ( الربانيون والأحبار ) على ( النبيون ) لأنهم ورثة علمهم وعليهم تلقوا الدين .
والاستحفاظ : الاستئمان واستحفاظ الكتاب أمانة فهمه حق الفهم بما دلت عليه آياته . استعير الاستحفاظ الذي هو طلب الحفظ لمعنى الأمر بإجادة الفهم والتبليغ للأمة على ما هو عليه .
فالباء في قوله ( بما استحفظوا ) للملابسة أي حكما ملابسا للحق متصلا به غير مبدل ولا مغير ولا مؤول تأويلا لأجل الهوى . ويدخل في الاستحفاظ بالكتاب الأمر بحفظ ألفاظه من التغيير والكتمان . ومن لطائف القاضي إسماعيل بن إسحاق بن حماد ما حكاه عياض في المدارك عن أبي الحسن ابن المنتاب قال : كنت عند إسماعيل يوما فسئل : لم جاز التبديل على أهل التوراة ولم يجز على أهل القرآن فقال : لأن الله تعالى قال في أهل التوراة ( بما استحفظوا من كتاب الله ) فوكل الحفظ إليهم . وقال في القرآن ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) . فتعهد الله بحفظه فلم يجز التبديل على أهل القرآن . قال : فذكرت ذلك للمحاملي فقال : لا أحسن من هذا الكلام .
و ( من ) مبينة لإبهام ( ما ) في قوله ( بما استحفظوا ) . وكتاب الله هو التوراة فهو من الإظهار في مقام الإضمار ليتأتى التعريف بالإضافة المفيدة لتشريف التوراة وتمجيدها بإضافتها إلى اسم الله تعالى .
وضمير ( وكانوا ) للنبيين والربانيين والأحبار أي وكان المذكورون شهداء على كتاب الله أي شهداء على حفظه من التبديل فحرف ( على ) هنا دال على معنى التمكن وليس هو ( على ) الذي يتعدى به فعل شهد إلى المحقوق كما يتعدى ذلك الفعل باللام إلى المشهود له أي المحق بل هو هنا مثل الذي يتعدى به فعل " حفظ ورقب " ونحوهما أي وكانوا حفظة على كتاب الله وحراسا له من سوء الفهم وسوء التأويل ويحملون أتباعه على حق فهمه وحق العمل به .
A E