ولذلك عقبه بجملة ( فلا تخشوا الناس واخشون ) المتفرعة بالفاء على قوله ( وكانوا عليه شهداء ) إذ الحفيظ على الشيء الأمين حق الأمانة لا يخشى أحدا في القيام بوجه أمانته ولكنه يخشى الذي استأمنه . فيجوز أن يكون الخطاب بقوله ( فلا تخشوا الناس ) ليهود زمان نزول الآية والفاء للتفريع عما حكي عن فعل سلف الأنبياء والمؤمنين ليكونوا قدوة لخلفهم من الفريقين والجملة على هذا الوجه معترضة ؛ ويجوز أن يكون الخطاب للنبيين والربانيين والأحبار فهي على تقدير القول أي قلنا لهم : فلا تخشوا الناس . والتفريع ناشئ عن مضمون قوله ( بما استحفظوا من كتاب الله ) لأن تمام الاستحفاظ يظهر في عدم المبالاة بالناس رضوا أم سخطوا وفي قصر الاعتداد على رضا الله تعالى .
وتقدم الكلام في معنى ( ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ) في سورة البقرة .
وقوله ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) يجوز أن يكون من جملة المحكي بقوله ( فلا تخشوا الناس واخشون ) لأن معنى خشية الناس هنا أن تخالف أحكام شريعة التوراة أو غيرها من كتب الله لإرضاء أهوية الناس ويجوز أن يكون كلاما مستأنفا عقبت به تلك العظات الجليلة . وعلى الوجهين فالمقصود اليهود وتحذير المسلمين من مثل صنعهم .
و ( من ) الموصولة يحتمل أن يكون المراد بها الفريق الخاص المخاطب بقوله ( ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ) وهم الذين أخفوا بعض أحكام التوراة المعلومة عندهم . والمعنى أنهم اتصفوا بالكفر من قبل فإذا لم يحكموا بما أنزل الله فذلك من آثار كفرهم السابق .
ويحتمل أن يكون المراد بها الجنس وتكون الصلة إيماء إلى تعليل كونهم كافرين فتقتضي أن كل من لا يحكم بما أنزل الله يكفر . وقد اقتضى هذا قضيتين : إحداهما كون الذي يترك الحكم بما تضمنته التوراة مما أوحاه الله إلى موسى كافرا أو تارك الحكم بكل ما أنزله الله على الرسل كافرا ؛ والثانية قصر وصف الكفر على تارك الحكم بما أنزل الله . فأما القضية الأولى : فالذين يكفرون مرتكب الكبيرة يأخذون بظاهر هذا لأن الجور في الحكم كبيرة والكبيرة كفر عندهم وعبروا عنه بكفر نعمة يشاركه في ذلك جميع الكبائر وهذا مذهب باطل كما قررناه غير مرة . وأما جمهور المسلمين وهم أهل السنة من الصحابة فمن بعدهم فهي عندهم قضية مجملة لأن ترك الحكم بما أنزل الله يقع على أحوال كثيرة ؛ فبيان إجماله بالأدلة الكثيرة القاضية بعدم التكفير بالذنوب ومساق الآية يبين إجمالها . ولذلك قال جمهور العلماء : المراد بمن لم يحكم هنا خصوص اليهود قاله البراء بن عازب ورواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
أخرجه مسلم في صحيحه . فعلى هذا تكون ( من ) موصولة وهي بمعنى لام العهد . والمعنى عليه : ومن ترك الحكم بما أنزل الله تركا مثل هذا الترك وهو ترك الحكم المشوب بالطعن في صلاحيته . وقد عرف اليهود بكثرة مخالفة حكامهم لأحكام كتابهم بناء على تغييرهم إياهم باعتقاد عدم مناسبتها لأحوالهم كما فعلوا في حد الزنى ؛ فيكون القصر ادعائيا وهو المناسب لسبب نزول الآيات التي كانت هذه ذيلا لها ؛ فيكون الموصول لتعريف أصحاب هذه الصلة وليس معللا للخبر . وزيدت الفاء في خبره لمشابهته بالشرط في لزوم خبره له أي أن الذين عرفوا بهذه الصفة هم الذين إن سألت عن الكافرين فهم هم لأنهم كفروا وأساءوا الصنع .
وقال جماعة : المراد من لم يحكم بما أنزل الله من ترك الحكم به جحدا له أو استخفافا به أو طعنا في حقيته بعد ثبوت كونه حكم الله بتواتر أو سماعه من رسول الله سمعه المكلف بنفسه . وهذا مروي عن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والحسن ف ( من ) شرطية وترك الحكم مجمل بيانه في أدلة أخر .
وتحت هذا حالة أخرى وهي التزام أن لا يحكم بما أنزل الله في نفسه كفعل المسلم الذي تقام في أرضه الأحكام الشرعية فيدخل تحت محاكم غير شرعية باختياره فإن ذلك الالتزام أشد من المخالفة في الجزيئات ولا سيما إذا لم يكن فعله لجلب منفعة دنيوية . وأعظم منه إلزام الناس بالحكم بغير ما أنزل الله من ولاة الأمور وهو مراتب متفاوتة وبعضها قد يلزمه لازم الردة إن دل على استخفاف أو تخطئة لحكم الله .
A E