وذهب جماعة إلى التأويل في معنى الكفر ؛ فقيل عبر بالكفر عن المعصية كما قالت زوجة ثابت بن قيس " أكره الكفر في الإسلام " أي الزنى أي قد فعل فعلا يضاهي أفعال الكفار ولا يليق بالمؤمنين وروى هذا عن ابن عباس . وقال طاووس " هو كفر دون كفر وليس كفرا ينقل عن الإيمان " . وذلك أن الذي لا يحكم بما أنزل الله قد يفعل ذلك لأجل الهوى وليس ذلك بكفر ولكنه معصية وقد يفعله لأنه لم يره قاطعا في دلالته على الحكم كما ترك كثير من العلماء الأخذ بظواهر القرآن على وجه التأويل وحكموا بمقتضى تأويلها وهذا كثير .
وهذه الآية والتي بعدها في شأن الحاكمين . وأما رضى المتحاكمين بحكم الله فقد مر في قوله تعالى ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ) الآية وبينا وجوهه وسيأتي في قوله تعالى ( وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون إلى قوله بل أولئك هم الظالمون ) في سورة النور .
وأما القضية الثانية فالمقصود بالقصر هنا المبالغة في الوصف بهذا الإثم العظيم المعبر عنه مجازا بالكفر أو في بلوغهم أقصى درجات الكفر وهو الكفر الذي انضم إليه الجور وتبديل الأحكام . واعلم أن المراد بالصلة هنا أو بفعل الشرط إذ وقعا منفيين هو الاتصاف بنقيضهما أي ومن حكم بغير ما أنزل الله . وهذا تأويل ثالث في الآية لأن الذي لم يحكم بما أنزل الله ولا حكم بغيره بأن ترك الحكم بين الناس أو دعا إلى الصلح لا تختلف الأمة في أنه ليس بكافر ولا آثم وإلا للزم كفر كل حاكم في حال عدم مباشرته للحكم وكفر كل من ليس بحاكم . فالمعنى : ومن حكم فلم يحكم بما أنزل الله .
( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون [ 45 ] ) عطفت جملة ( كتبنا ) على جملة ( أنزلنا التوراة ) . ومناسبة عطف هذا الحكم على ما تقدم أنهم غيروا أحكام القصاص كما غيروا أحكام حد الزنى ففاضلوا بين القتلى والجرحى كما سيأتي فلذلك ذيله بقوله ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) كما ذيل الآية الدالة على تغيير حكم حد الزنى بقوله ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) .
والكتب هنا مجاز في التشريع والفرض بقرينة تعديته بحرف ( على ) أي أوجبنا عليهم فيها أي في التوراة مضمون ( أن النفس بالنفس ) وهذا الحكم مسطور في التوراة أيضا كما اقتضت تعدية فعل ( كتبنا ) بحرف ( في ) فهو من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه .
وفي هذه إشارة إلى أن هذا الحكم لا يستطاع جحده لأنه مكتوب والكتابة تزيد الكلام توثقا كما تقدم عند قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ) في سورة البقرة وقال الحارث بن حلزة : .
" وهل ينقض ما في المهارق الأهواء والمكتوب عليهم هو المصدر المستفاد من ( أن ) . والمصدر في مثل هذا يؤخذ من معنى حرف الباء الذي هو التعويض أي كتبنا تعويض النفس بالنفس أي النفس المقتولة بالنفس القاتلة أي كتبنا عليهم مساواة القصاص .
وقد اتفق القراء على فتح همزة ( أن ) هنا لأن المفروض في التوراة ليس هو عين هذه الجمل ولكن المعنى الحاصل منها وهو العوضية والمساواة فيها .
وقرأ الجمهور ( والعين بالعين ) وما عطف عليها بالنصب عطفا على اسم ( أن ) . وقرأه الكسائي بالرفع . وذلك جائز إذا استكملت ( أن ) خبرها فيعتبر العطف على مجموع الجملة .
والنفس : الذات وقد تقدم في قوله تعالى ( وتنسون أنفسكم ) في سورة البقرة . والأذن بضم الهمزة وسكون الذال وبضم الذال أيضا . والمراد بالنفس الأولى نفس المعتدي عليه وكذلك في ( والعين ) الخ .
A E