فذكر الرشاء مجرد تخييل . ويصح أن يجعل له رديف في المشبه بأن تشبه العوائد المنتزعة من الشريعة أو دلائل التفريع عن الشريعة أو طرق فهمها بالمنهاج الموصل إلى الماء . فمنهاج المسلمين لا يخالف الاتصال بالإسلام فهو كمنهاج المهتدين إلى الماء ومنهاج غيرهم منحرف عن دينهم كما كانت اليهود قد جعلت عوائد مخالفة لشريعتهم فذلك كالمنهاج الموصل إلى غير المورود . وفي هذا الكلام إبهام أريد به تنبيه الفريقين إلى الفرق بين حاليهما وبالتأمل يظهر لهم .
وقوله ( ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ) . الجعل : التقدير وإلا فإن الله أمر الناس أن يكونوا أمة واحدة على دين الإسلام ولكنه رتب نواميس وجبلات وسبب اهتداء فريق وضلال فريق وعلم ذلك بحسب ما خلق فيهم من الاستعداد المعبر عنه بالتوفيق أو الخذلان والميل أو الانصراف والعزم أو المكابرة . ولا عذر لأحد في ذلك لأن علم الله غير معروف عندنا وإنما ينكشف لنا بما يظهر في الحادثات .
والأمة : الجماعة العظيمة الذين دينهم ومعتقدهم واحد هذا بحسب اصطلاح الشريعة . وأصل الأمة في كلام العرب : القوم الكثيرون الذين يرجعون إلى نسب واحد ويتكلمون بلسان واحد أي لو شاء لخلقكم على تقدير واحد كما خلق أنواع الحيوان غير قابلة الزيادة ولا للتطور من أنفسها .
ومعنى ( ليبلوكم فيما آتاكم ) هو ما أشرنا إليه من خلق الاستعداد ونحوه . والبلاء : الخبرة . والمراد هنا ليظهر أثر ذلك للناس والمراد لازم المعنى على طريق الكناية كقول إياس بن قبيصة الطائي : .
وأقبلت والخطى يخطر بيننا ... لأعلم من جبانها من شجاعها لم يرد لأعلم فقط ولكن أراد ليظهر لي وللناس . ومعناه أن الله وكل اختيار طرق الخير وأضدادها إلى عقول الناس وكسبهم حكمة منه تعالى ليتسابق الناس إلى إعمال مواهبهم العقلية فتظهر آثار العلم ويزداد أهل العلم علما وتقام الأدلة على الاعتقاد الصحيح . وكل ذلك يظهر ما أودعه الله في جبلة البشر من الصلاحية للخير والإرشاد على حسب الاستعداد وذلك من الاختبار . ولذلك قال ( ليبلوكم فيما آتاكم ) أي في جميع ما آتاكم من العقل والنظر . فيظهر التفاضل بين أفراد نوع الإنسان حتى يبلغ بعضها درجات عالية ومن الشرائع التي آتاكموها فيظهر مقدار عملكم بها فيحصل الجزاء بمقدار العمل .
وفرع على ( ليبلوكم ) قوله ( فاستبقوا الخيرات ) لأن بذلك الاستباق يكون ظهور أثر التوفيق أوضح وأجلى .
والاستباق : التسابق وهو هنا مجاز في المنافسة لأن الفاعل للخير لا يمنع غيره من أن يفعل مثل فعله أو أكثر فشابه التسابق . ولتضمين فعل ( استبقوا ) بمعنى خذوا أو ابتدروا عدي الفعل إلى ( الخيرات ) بنفسه وحقه أن يعدى بإلى كقوله ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم ) . وقوله ( فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ) أي من الاختلاف في قبول الدين .
( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون [ 49 ] ) A E