وقرأ الجمهور ( يبغون ) بياء الغائب والضمير عائد ل ( من ) في قوله ( ومن لم يحكم بما أنزل الله ) . وقرأ ابن عامر بتاء الخطاب على أنه خطاب لليهود على طريقة الالتفات .
A E والواو في قوله ( ومن أحسن من الله حكما ) واو الحال وهو اعتراض والاستفهام إنكاري في معنى النفي أي لا أحسن منه حكما . وهو خطاب للمسلمين إذ لا فائدة في خطاب اليهود بهذا .
وقوله ( لقوم يوقنون ) اللام فيه ليست متعلقة ب ( حكما ) إذ ليس المراد بمدخولها المحكوم لهم ولا هي لام التقوية لأن ( لقوم يوقنون ) ليس مفعولا ل ( حكما ) في المعنى . فهذه اللام تسمى لام البيان ولام التبيين وهي التي تدخل على المقصود من الكلام سواء كان خبرا أم إنشاء وهي الواقعة في نحو قولهم : سقيا لك وجدعا له وفي الحديث " تبا وسحقا لمن بدل بعدي " وقوله تعالى ( هيهات هيهات لما توعدون و حاش لله ) . وذلك أن المقصود التنبيه على المراد من الكلام . ومنه قوله تعالى عن زليخا ( وقالت هيت لك ) لأن تهيؤها له غريب لا يخطر ببال يوسف فلا يدري ما أرادت فقالت له ( هيت لك ) إذا كان ( هيت ) اسم فعل مضي بمعنى تهيأت ومثل قوله تعالى هنا ( ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ) . وقد يكون المقصود معلوما فيخشى خفاؤه فيؤتى باللام لزيادة البيان نحو ( حاش لله ) وهي حينئذ جديرة باسم لام التبيين كالداخلة إلى المواجه بالخطاب في قولهم : سقيا لك ورعيا ونحوهما وفي قوله ( هيت ) اسم فعل أمر بمعنى تعال . وإنما لم تجعل في بعض هذه المواضع لام تقوية لأن لام التقوية يصح الاستغناء عنها مع ذكر مدخولها وفي هذه المواضع لا يذكر مدخول اللام إلا معها .
( يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين [ 51 ] فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين [ 52 ] يقول الذين أمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعملهم فأصبحوا خاسرين [ 53 ] ) تهيأت نفوس المؤمنين لقبول النهي عن موالاة أهل الكتاب بعد ما سمعوا من اضطراب اليهود في دينهم ومحاولتهم تضليل المسلمين وتقليب الأمور للرسول A فأقبل عليهم بالخطاب بقوله ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى ) الآية لأن الولاية تنبني على الوفاق والوئام والصلة وليس أولئك بأهل لولاية المسلمين لبعد ما بين الأخلاق الدينية ولإضمارهم الكيد للمسلمين . وجرد النهي هنا عن التعليل والتوجيه اكتفاء بما تقدم .
والجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا . وسبب النهي هو ما وقع من اليهود ولكن لما أريد النهي لم يقتصر عليهم لكيلا يحسب المسلمون أنهم مأذونون في موالاة النصارى فلدفع ذلك عطف النصارى على اليهود هنا لأن السبب الداعي لعدم الموالاة واحد في الفريقين وهو اختلاف الدين والنفرة الناشئة عن تكذيبهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم . فالنصارى وإن لم تجيء منهم يومئذ أذاة مثل اليهود فيوشك أن تجيء منهم إذا وجد داعيها .
وفي هذا ما ينبه على وجه الجمع بين النهي هنا عن موالاة النصارى وبين قوله فيما سيأتي ( ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ) . ولا شك أن الآية نزلت بعد غزوة تبوك أو قربها وقد أصبح المسلمون مجاورين تخوم بلاد نصارى العرب . وعن السدي أن بعض المسلمين بعد يوم أحد عزم أن يوالي يهوديا وأن آخر عزم أن يوالي نصرانيا كما سيأتي فيكون ذكر النصارى غير إدماج