وعقبه بقوله ( بعضهم أولياء بعض ) أي أنهم أجدر بولاية بعضهم بعضا أي بولاية كل فريق منهم بعض أهل فريقه لأن كل فريق منهم تتقارب أفراده في الأخلاق والأعمال فيسهل الوفاق بينهم وليس المعنى أن اليهود أولياء النصارى . وتنوين ( بعض ) تنوين عوض أي أولياء بعضهم . وهذا كناية عن نفي موالاتهم المؤمنين وعن نهي المؤمنين عن موالاة فريق منهما .
A E والولاية هنا ولاية المودة والنصرة ولا علاقة لها بالميراث ولذلك لم يقل مالك بتوريث اليهودي من النصراني والعكس أخذا بقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا يتوارث أهل ملتين " . وقال الشافعي وأبو حنيفة بتوريث بعض أهل الملل من بعض ورأيا الكفر ملة واحدة أخذا بظاهر هذه الآية وهو مذهب داود .
وقوله ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) ( من ) شرطية تقتضي أن كل من يتولاهم يصير واحدا منهم . جعل ولايتهم موجبة كون المتولي منهم وهذا بظاهره يقتضي أن ولايتهم دخول في ملتهم لأن معنى البعضية هنا لا يستقيم إلا بالكون في دينهم . ولما كان المؤمن إذا اعتقد عقيدة الإيمان واتبع الرسول ولم ينافق كان مسلما لا محالة كانت الآية بحاجة إلى التأويل وقد تأولها المفسرون بأحد تأويلين : إما بحمل الولاية في قوله ( ومن يتولهم ) على الولاية الكاملة التي هي الرضى بدينهم والطعن في دين الإسلام ولذلك قال ابن عطية : ومن تولاهم بمعتقده ودينه فهو منهم في الكفر والخلود في النار .
وإما بتأويل قوله ( فإنه منهم ) على التشبيه البليغ أي فهو كواحد منهم في استحقاق العذاب . قال ابن عطية : من تولاهم بأفعاله من العضد ونحوه دون معتقدهم ولا إخلال بالإيمان فهو منهم في المقت والمذمة الواقعة عليهم آه . وهذا الإجمال في قوله ( فإنه منهم ) مبالغة في التحذير من موالاتهم في وقت نزول الآية فالله لم يرض من المسلمين يومئذ بأن يتولوا اليهود والنصارى لأن ذلك يلبسهم بالمنافقين وقد كان أمر المسلمين يومئذ في حيرة إذ كان حولهم المنافقون وضعفاء المسلمين واليهود والمشركون فكان من المتعين لحفظ الجامعة التجرد عن كل ما تتطرق منه الربية إليهم .
وقد اتفق علماء السنة على أن ما دون الرضا بالكفر وممالاتهم عليه من الولاية لا يوجب الخروج من الربقة الإسلامية ولكنه ضلال عظيم وهو مراتب في القوة بحسب قوة الموالاة وباختلاف أحوال المسلمين .
وأعظم هذه المراتب القضية التي حدثت في بعض المسلمين من أهل غرناطة التي سئل عنها فقهاء غرناطة : محمد المواق ومحمد بن الأزرق وعلي بن داوود ومحمد الجعدالة ومحمد الفخار وعلي القلصادي وأبو حامد بن الحسن ومحمد بن سرحونة ومحمد المشذالي وعبد الله الزليجي ومحمد الحذام وأحمد ابن عبد الجليل ومحمد بن فتح ومحمد بن عبد البر وأحمد البقني عن عصابة من قواد الأندلس وفرسانهم لجأوا إلى صاحب قشتالة " بلاد النصارى " بعد كائنة " اللسانة " كذا واستنصروا به على المسلمين واعتصموا بحبل جواره وسكنوا أرض النصارى فهل يحل لأحد من المسلمين مساعدتهم ولأهل مدينة أو حصن أن يأووهم . فأجابوا بأن ركونهم إلى الكفار واستنصارهم بهم قد دخلوا به في وعيد قوله تعالى ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم ) . فمن أعانهم فهو معين على معصية الله ورسوله هذا ما داموا مصرين على فعلهم فإن تابوا ورجعوا عما هم عليه من الشقاق والخلاف فالواجب على المسلمين قبولهم .
فاستدلالهم في جوابهم بهذه الآية يدل على أنهم تأولوها على معنى أنه منهم في استحقاق المقت والمذمة وهذا الذي فعلوه وأجاب عنه الفقهاء هو أعظم أنواع الموالاة بعد موالاة الكفر . وأدنى درجات الموالاة المخالطة والملابسة في التجارة ونحوها . ودون ذلك ما ليس بموالاة أصلا وهو المعاملة . وقد عامل النبي صلى الله عليه وسلم يهود خيبر مساقاة على نخل خيبر وقد بينا شيئا من تفصيل هذا عند قوله تعالى ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ) في سورة آل عمران .
وجملة ( إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) تذييل للنهي وعموم القوم الظالمين شمل اليهود والنصارى وموقع الجملة التذييلية يقتضي أن اليهود والنصارى من القوم الظالمين بطريق الكناية . والمراد بالظالمين الكافرون