وقوله ( فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم ) تفريع لحالة من موالاتهم أريد وصفها للنبي صلى الله عليه وسلم لأنها وقعت في حضرته .
والمرض هنا أطلق على النفاق كما تقدم في قوله تعالى ( في قلوبهم مرض ) في سورة البقرة . أطلق عليه مرض لأنه كفر مفسد للإيمان .
A E والمسارعة تقدم شرحها في قوله تعالى ( لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ) . وفي المجرور مضاف محذوف دلت عليه القرينة لأن المسارعة لا تكون في الذوات فالمعنى : يسارعون في شأنهم من موالاتهم أو في نصرتهم .
والقول الواقع في ( يقولون نخشى ) قول لسان لأن عبد الله بن أبي بن سلول قال ذلك حسبما روى عن عطية الحوفي والزهري وعاصم بن عمر بن قتادة أن الآية نزلت بعد وقعة بدر أو بعد وقعة أحد وأنها نزلت حين عزم رسول الله على قتال بني قينقاع . وكان بنو قينقاع أحلافا لعبد الله بن أبي بن سلول ولعبادة بن الصامت فلما رأى عبادة منزع رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء فقال : يا رسول الله إني أبرأ إلى الله من حلف يهود وولائهم ولا أوالي إلا الله ورسوله وكان عبد الله بن أبي حاضرا فقال : أما أنا فلا أبرأ من حلفهم فإني لابد لي منهم إني رجل أخاف الدوائر .
ويحتمل أن يكون قولهم : نخشى أن تصيبنا دائرة قولا نفسيا أي يقولون في أنفسهم . فالدائرة المخشية هي خشية انتقاض المسلمين على المنافقين فيكون هذا القول من المرض الذي في قلوبهم وعن السدي : أنه لما وقع انهزام يوم أحد فزع المسلمون وقال بعضهم : نأخذ من اليهود حلفا ليعاضدونا إن ألمت بنا قاصمة من قريش . وقال رجل : إني ذاهب إلى اليهودي فلان فآوي إليه وأتهود معه . وقال آخر : إني ذاهب إلى فلان النصراني بالشام فآوي إليه وأتنصر معه فنزلت الآية . فيكون المرض هنا ضعف الإيمان وقلة الثقة بنصر الله وعلى هذا فهذه الآية تقدم نزولها قبل نزول هذه السورة فإما أعيد نزولها وإما أمر بوضعها في هذا الموضع .
والظاهر أن قوله ( فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ) يؤيد الرواية الأولى ويؤيد محملنا فيها : أن القول قول نفسي .
والدائرة اسم فاعل من دار إذا عكس سيره فالدائرة تغير الحال وغلب إطلاقها على تغير الحال من خير إلى شر ودوائر الدهر : نوبه ودوله قال تعالى ( ويتربص بكم الدوائر ) أي تبدل حالكم من نصر إلى هزيمة . وقد قالوا في قوله تعالى ( عليهم دائرة السوء ) إن إضافة ( دائرة ) إلى ( السوء ) إضافة بيان . قال أبو علي الفارسي : لو لم تضف الدائرة إلى السوء عرف منها معناه . وأصل تأنيثها للمرة ثم غلبت على التغير ملازمة لصبغة التأنيث .
وقوله ( يقول الذين آمنوا ) قرأه الجمهور ( يقول ) بدون واو في أوله على أنه استئناف بياني جواب لسؤال من يسأل : ماذا يقول الذين آمنوا حينئذ .
أي إذا جاء الفتح أو أمر من قوة المسلمين ووهن اليهود يقول الذين آمنوا . وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف ( ويقول ) بالواو وبرفع ( يقول ) عطفا على ( فعسى الله ) وقرأه أبو عمرو ويعقوب بالواو أيضا وبنصب ( يقول ) عطفا على ( أن يأتي ) . والاستفهام في ( أهؤلاء ) مستعمل في التعجب من نفاقهم .
و ( هؤلاء ) إشارة إلى طائفة مقدرة الحصول يوم حصول الفتح وهي طائفة الذين في قلوبهم مرض . والظاهر أن ( الذين ) هو الخبر عن ( هؤلاء ) لأن الاستفهام للتعجب ومحل العجب هو قسمهم أنهم معهم وقد دل هذا التعجب على أن المؤمنين يظهر لهم من حال المنافقين يوم إتيان الفتح ما يفتضح به أمرهم فيعجبون من حلفهم على الإخلاص للمؤمنين