وب سایت رسمی مجمع جهانى تقريب مذاهب اسلامى

اهم اخبار تقریب مذاهب اسلامی

مجمع جهانى تقريب مذاهب اسلامى
سایت رسمی مجمع جهانى تقريب مذاهب اسلامى

إن موضع هذه الآية في هذه السورة معضل فإن سورة المائدة من آخر السور نزولا إن لم تكن آخرها نزولا وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الشريعة وجميع ما أنزل إليه يوم نزولها فلو أن هذه الآية نزلت في أول مدة البعثة لقلنا هي تثبيت للرسول وتخفيف لأعباء الوحي عنه كما أنزل قوله تعالى ( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين ) وقوله ( إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا إلى قوله واصبر على ما يقولون ) الآيات فأما وهذه السورة من آخر السور نزولا وقد أدى رسول الله الرسالة وأكمل الدين فليس في الحال ما يقتضي أن يؤمر بتبليغ فنحن إذن بين احتمالين : أحدهما أن تكون هذه الآية نزلت بسبب خاص اقتضى إعادة تثبيت الرسول على تبليغ شيء مما يثقل عليه تبليغه .
وثانيهما أن تكون هذه الآية نزلت من قبل نزول هذه السورة وهو الذي تواطأت عليه أخبار في سبب نزولها .
فأما هذا الاحتمال الثاني فلا ينبغي اعتباره لاقتضائه أن تكون هذه الآية بقيت سنين غير ملحقة بسورة . ولا جائز أن تكون مقروءة بمفردها وبذلك تندحض جميع الأخبار الواردة في أسباب النزول التي تذكر حوادث كلها حصلت في أزمان قبل زمن نزول هذه السورة . وقد ذكر الفخر عشرة أقوال في ذلك وذكر الطبري خبرين آخرين فصارت اثني عشر قولا .
A E وقال الفخر بعد أن ذكر عشرة الأقوال : إن هذه الروايات وإن كثرت فإن الأولى حمل الآية على أن الله آمنه مكر اليهود والنصارى لأن ما قبلها وما بعدها كان كلاما مع اليهود والنصارى فامتنع إلقاء هذه الآية الواحدة في البين فتكون أجنبية عما قبلها وما بعدها اه . وأما ما ورد في الصحيح أن رسول الله كان يحرس حتى نزل ( والله يعصمك من الناس ) فلا يدل على أن ( والله يعصمك من الناس ) فلعل الذي حدثت به عائشة أن الله أخبر رسوله بأنه عصمه من الناس فلما حكاه الراوي حكاه باللفظ الواقع في هذه الآية .
فتعين التعويل على الاحتمال الأول : فإما أن يكون سبب نزولها قضية مما جرى ذكره في هذه السورة فهي على وتيرة قوله تعالى ( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر وقوله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ) فكما كانت تلك الآية في وصف حال المنافقين تليت بهذه الآية لوصف حال أهل الكتاب . والفريقان متظاهران على الرسول صلى الله عليه وسلم : فريق مجاهر وفريق متستر فعاد الخطاب للرسول ثانية بتثبيت قلبه وشرح صدره بأن يدوم على تبليغ الشريعة ويجهد في ذلك ولا يكترث بالطاعنين من أهل الكتاب والكفار إذ كان نزول هذه السورة في آخر مدة النبي صلى الله عليه وسلم لأن الله دائم على عصمته من أعدائه وهم الذين هون أمرهم في قوله ( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ) فهم المعنيون من ( الناس ) في هذه الآية فالمأمور بتبليغه بعض خاص من القرآن .
وقد علم من خلق النبي صلى الله عليه وسلم أنه يحب الرفق في الأمور ويقول : إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله " كما جاء في حديث عائشة حين سلم اليهود عليه فقالوا : السام عليكم وقالت عائشة لهم : السام عليكم واللعنة " فلما أمره الله أن يقول لأهل الكتاب ( وأن أكثركم فاسقون قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه ) الآية وكان ذلك القول مجاهرة لهم بسوء أعلمه الله بأن هذا لا رفق فيه فلا يدخل فيما كان يعاملهم به من المجادلة بالتي هي أحسن فتكون هذه الآية مخصصة لما في حديث عائشة وتدخل في الاستثناء الذي في قوله تعالى ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ) .
ولذلك أعيد افتتاح الخطاب له بوصف الرسول المشعر بمنتهى شرفه إذ كان واسطة بين الله وخلقه والمذكر له بالإعراض عمن سوى من أرسله .
ولهذا الوصف في هذا الخطاب الثاني موقع زائد على موقعه في الخطاب الأول وهو ما فيه من الإيماء إلى وجه بناء الكلام الآتي بعده وهو قوله ( وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته ) كما قال تعالى ( ما على الرسول إلا البلاغ )