فكما ثبت جنانه بالخطاب الأول أن لا يهنم بمكائد أعدائه حذر بالخطاب الثاني من ملاينتهم في إبلاغهم قوارع القرآن أو من خشيته إعراضهم عنه إذا أنزل من القرآن في شأنهم إذ لعله يزيدهم عنادا وكفرا كما دل عليه قوله في آخر هذه الآية ( وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين ) .
ثم عقب ذلك أيضا بتثبيت جنانه بأن لايهتم بكيدهم بقوله ( والله يعصمك من الناس ) وأن كيدهم مصروف عنه بقوله ( إن الله لا يهدي القوم الكافرين ) . فحصل بآخر هذا الخطاب رد العجز على الصدر في الخطاب الأول التي تضمنه قوله ( لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ) فإنهم هم القوم الكافرون والذين يسارعون في الكفر .
فالتبليغ المأمور به على هذا الوجه تبليغ ما أنزل من القرآن في تقريع أهل الكتاب . وما صدق ( ما أنزل إليك من ربك ) شيء معهود من آي القرآن وهي الآي المتقدمة على هذه الآية .
وما صدق ( ما أنزل إليك من ربك ) هو كل ما نزل من القرآن قبل ذلك اليوم .
والتبليغ جعل الشيء بالغا . والبلوغ الوصول إلى المكان المطلوب وصوله وهو هنا مجاز في حكاية الرسالة للمرسل بها إليه من قولهم : بلغ الخبر وبلغت الحاجة .
A E والأمر بالتبليغ مستعمل في طلب الدوام كقوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا أمنوا بالله ورسوله ) . ولما كان نزول الشريعة مقصودا به عمل الأمة بها " سواء كان النازل متعلقا بعمل أم كان بغير عمل كالذي ينزل ببيان أحوال المنافقين أو فضائل المؤمنين أو في القصص ونحوها لأن ذلك كله إنما نزل لفوائد يتعين العلم بها لحصول الأغراض التي نزلت لأجلها على أن للقرآن خصوصية أخرى وهي ما له من الإعجاز وأنه متعبد بتلاوته فالحاجة إلى جميع ما ينزل منه ثابتة بقطع النظر عما يحويه من الأحكام وما به من مواعظ وعبر " كان معنى الرسالة إبلاغ ما أنزل إلى من يراد علمه به وهو الأمة كلها ولأجل هذا حذف متعلق " بلغ " لقصد العموم أي بلغ ما أنزل إليك جميع من يحتاج إلى معرفته وهو جميع الأمة إذ لايدرى وقت ظهور حاجة بعض الأمة إلى بعض الأحكام على أن كثيرا من الأحكام يحتاجها جميع الأمة .
والتبليغ يحصل بما يكفل للمحتاج إلى معرفة حكم تمكنه من معرفته في وقت الحاجة أو فبله لذلك كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقرأ القرآن على الناس عند نزول الآية ويأمر بحفظها عن ظهر قلب وبكتابتها ويأمر الناس بقراءته وبالاستمتاع إليه . وقد أرسل مصعبا بن عمير إلى المدينة قبل هجرته ليعلم الأنصار القرآن . وكان أيضا يأمر السامع مقالته بإبلاغها من لم يسمعها مما يكفل ببلوغ الشريعة كلها للأجيال من الأمة . ومن أجل ذلك كان الخلفاء من بعده يعطون الناس العطاء على قدر ما معهم من القرآن . ومن أجل ذلك أمر أبو بكر بكتابة القرآن في المصحف بإجماع الصحابة وأكمل تلك المزية عثمان بن عفان بانتساخ القرآن في المصاحف وإرسالها إلى أمصار الإسلام وقد كان رسول الله عين لأهل الصفة الانقطاع لحفظ القرآن .
والذي ظهر من تتبع سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يبادر بإبلاغ القرآن عند نزوله فإذا نزل عليه ليلا أخبر به عند صلاة الصبح . وفي حديث عمر قال رسول الله " لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ثم قرأ ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) . وفي حديث كعب بن مالك في تخلفه عن غزوة تبوك " فأنزل الله توبتنا على نبيه حين بقي الثلث الآخر من الليل ورسول الله عند أم سلمة فقال : يا أم سلمة تيب على كعب بن مالك قالت : أفلا أرسل إليه فأبشره قال : إذا يحطمكم الناس فيمنعونكم النوم سائر الليلة . حتى إذا صلى رسول الله صلاة الفجر آذن بتوبة الله علينا " .
وفي حديث ابن عباس : أن رسول الله نزلت عليه سورة الأنعام جملة واحدة بمكة ودعا رسول الله الكتاب فكتبوها من ليلتهم