استئناف ابتدائي ذكر به حال طائفة من اليهود كانوا في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وأظهروا الإسلام وهم معظم المنافقين وقد دل على ذلك قوله ( يتولون الذين كفروا ) لأنه لا يستغرب إلا لكونه صادرا ممن أظهروا الإسلام فهذا انتقال لشناعة المنافقين . والرؤية في قوله ( ترى ) بصرية والخطاب للرسول . والمراد ب ( كثير منهم ) كثير من يهود المدينة بقرينة قوله ( ترى ) وذلك أن كثيرا من ا ليهود بالمدينة أظهروا الإسلام نفاقا نظرا لإسلام جميع أهل المدينة من الأوس والخزرج فاستنكر اليهود أنفسهم فيها فتظاهروا بالإسلام ليكونوا عينا ليهود خيبر وقريظة والنضير . ومعنى ( يتولون ) يتخذونهم أولياء . والمراد بالذين كفروا مشركو مكة ومن حول المدينة من الأعراب الذين بقوا على الشرك . ومن هؤلاء اليهود كعب بن الأشرف رئيس اليهود فإنه كان مواليا لأهل مكة وكان يغريهم بغزو المدينة . وقد تقدم أنهم المراد في قوله تعالى ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من لذين آمنوا سبيلا ) .
وقوله ( أن سخط الله عليهم ) ( أن ) فيه مصدرية دخلت على الفعل الماضي وهو جائز كما في الكشاف كقوله تعالى ( ولولا أن ثبتناك ) والمصدر المأخوذ هو المخصوص بالذم . والتقدير : لبئس ما قدمت بهم أنفسهم سخط الله عليهم فسخط الله مذموم . وقد أفاد هذا المخصوص أن الله قد غضب عليهم غضبا خاصا لموالاتهم الذين كفروا وذلك غير مصرح به في الكلام فهذا من إيجاز الحذف . ولك أن تجعل المراد بسخط الله هو اللعنة التي في قوله ( لعن الذين كفروا من بني إسرائيل ) . وكون ذلك مما قدمت لهم أنفسهم معلوم من الكلام السابق .
وقوله ( ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي ) إلخ الواو للحال من قوله ( ترى كثيرا منهم ) باعتبار كون المراد بهم المتظاهرين بالإسلام بقرينة ما تقدم فالمعنى : ولو كانوا يؤمنون إيمانا صادقا ما اتخذوا المشركين أولياء . والمراد بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم وبما أنزل إليه القرآن وذلك لأن النبي نهى المؤمنين عن موالاة المشركين والقرآن نهى عن ذلك في غير ما آية . وقد تقدم في قوله ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ) . وقد جعل موالاتهم للمشركين علامة على عدم إيمانهم بطريقة القياس الاستثنائي لأن المشركين أعداء الرسول فموالاتهم لهم علامة على عدم الإيمان به . وقد تقدم ذلك في سورة آل عمران .
A E وقوله ( ولكن كثيرا منهم فاسقون ) هو استثناء القياس أي ولكن كثيرا من بني إسرائيل ( فاسقون ) . فالضمير عائد إلى ما عاد إليه ضمير ( ترى كثيرا منهم ) ( وفاسقون ) كافرون فلا عجب في موالاتهم المشركين لاتحادهم في مناواة الإسلام . فالمراد بالكثير في قوله ( ولكن كثيرا منهم فاسقون ) عين المراد من قوله ( ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا ) فقد أعيدت النكرة نكرة وهي عين الأولى إذ ليس يلزم إعادتها معرفة . ألا ترى قوله تعالى ( فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ) . وليس ضمير ( منهم ) عائدا إلى ( كثيرا ) إذ ليس المراد أن الكثير من الكثير فاسقون بل المراد كلهم .
( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون [ 82 ] وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين [ 83 ] وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين [ 84 ] )