فذلكة لما تقدم من ذكر ما لاقى به اليهود والنصارى دعوة الإسلام من الإعراض على تفاوت فيه بين الطائفتين ؛ فإن الله شنع من أحوال اليهود ما يعرف منه عداوتهم للإسلام إذ قال : ( وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا ) فكررها مرتين وقال : ( ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا ) وقال : ( وإذا جاؤوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر ) فعلم تلونهم في مضارة المسلمين وأذاهم . وذكر من أحوال النصارى ما شنع به عقيدتهم ولكنه لم يحك عنهم ما فيه عداوتهم المسلمين وقد نهى المسلمين عن اتخاذ الفريقين أولياء في قوله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ) الآية . فجاء قوله : ( لتجدن أشد الناس عداوة ) الآية فذلكة لحاصل ما تكنه ضمائر الفريقين نحو المسلمين ولذلك فصلت ولم تعطف .
واللام في ( لتجدن ) لام القسم يقصد منها التأكيد وزادته نون التوكيد تأكيدا .
والوجدان هنا وجدان قلبي وهو من أفعال العلم ولذلك يعدى إلى مفعولين وقد تقدم عند قوله تعالى ( ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ) في سورة البقرة .
وانتصب ( عداوة ) على تمييز نسبة ( أشد ) ( الى الناس ) ومثله انتصاب ( مودة ) .
وذكر المشركين مع اليهود لمناسبة اجتماع الفريقين على عداوة المسلمين فقد ألف بين اليهود والمشركين بغض الإسلام ؛ فاليهود للحسد على مجيء النبوة من غيرهم والمشركون للحسد على أن سبقهم المسلمون بالاهتداء إلى الدين الحق ونبذ الباطل .
وقوله ( ولتجدن أقربهم مودة ) أي أقرب الناس مودة للذين آمنوا أي أقرب الناس من أهل الملل المخالفة للإسلام . وهذان طرفان في معاملة المسلمين . وبين الطرفين فرق متفاوتة في بغض المسلمين مثل المجوس والصابئة وعبدة الأوثان والمعطلة .
والمراد بالنصارى هنا الباقون على دين النصرانية لا محالة لقوله : ( أقربهم مودة للذين آمنوا ) . فأما من آمن من النصارى فقد صار من المسلمين .
وقد تقدم الكلام على نظير قوله : ( الذين قالوا إنا نصارى ) في قوله تعالى ( ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم ) المقصود منه إقامة الحجة عليهم بأنهم التزموا أن يكونوا أنصارا لله ( قال الحواريون نحن أنصار الله ) كما تقدم في تفسير نظيره . فالمقصود هنا تذكيرهم بمضمون هذا اللقب ليزدادوا من مودة المسلمين فيتبعوا دين الإسلام .
وقوله ( ذلك ) الإشارة إلى الكلام المتقدم وهو أنهم أقرب مودة للذين آمنوا .
والباء في قوله ( بأن منهم قسيسين ) باء السببية وهي تفيد معنى لام التعليل .
والضمير في قوله ( منهم ) راجع إلى النصارى .
والقسيسون جمع سلامة لقسيس بوزن سجين . ويقال قس بفتح القاف وتشديد السين وهو عالم دين النصرانية . وقال قطرب : هي بلغة الروم . وهذا مما وقع فيه الوفاق بين اللغتين .
A E والرهبان هنا جمع راهب مثل ركبان جمع راكب وفرسان جمع فارس وهو غير مقيس في وصف على فاعل . والراهب من النصارى المنقطع في دير أو صومعة للعبادة . وقال الراغب : الرهبان يكون واحدا وجمعا فمن جعله واحدا جمعه على رهابين ورهابنة . وهذا مروي عن الفراء . ولم يحك الزمخشري في الأساس أن رهبان يكون مفردا . وأطلاقه على الواحد في بيت أنشده ابن الأعرابي : .
لو أبصرت رهبان دير بالجبل ... لانحدر الرهبان يسعى ويزل وإنما كان وجود القسيسين والرهبان بينهم سببا في اقتراب مودتهم من المؤمنين لما هو معروف بين العرب من حسن أخلاق القسيسين والرهبان وتواضعهم وتسامحهم . وكانوا منتشرين في جهات كثيرة من بلاد العرب يعمرون الأديرة والصوامع والبيع وأكثرهم من عرب الشام الذين بلغتهم دعوة النصرانية على طريق الروم فقد عرفهم العرب بالزهد ومسالمة الناس وكثر ذلك في كلام شعرائهم . قال النابغة : .
لو أنها برزت لأشمط راهب ... عبد الاله صرورة متعبد .
لرنا لطلعتها وحسن حديثها ... ولخاله رشدا وإن لم يرشد فوجود هؤلاء فيهم وكونهم رؤساء دينهم مما يكون سببا في صلاح أخلاق أهل ملتهم . والاستكبار السين والتاء فيه للمبالغة . وهو يطلق على التكبر والتعاظم ويطلق على المكابرة وكراهية الحق وهما متلازمان . فالمراد من قوله ( لا يستكبرون ) أنهم متواضعون منصفون