وقد يسند الفيض إلى الظرف على طريقة المجاز العقلي فيقال : فاض الوادي أي فاض ماؤه كما يقال : جرى الوادي أي جرى ماؤه . وفي الحديث : " ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه " . وقد يقرنون هذا الإسناد بتمييز يكون قرينة للإسناد المجازي فيقولون : فاضت عينه دمعا بتحويل الإسناد المسمى تمييز النسبة أي قرينة النسبة المجازية . فأما ما في هذه الآية فإجراؤه على قول نحاة البصرة يمنع أن يكون ( من ) الداخلة على الدمع هي البيانية التي يجر بها اسم التمييز لأن ذلك عندهم ممتنع في تمييز النسبة فتكون الآية منسوجة على منوال القلب للمبالغة قلب قول الناس المتعارف : فاض الدمع من عين فلان فقيل : ( أعينهم تفيض من الدمع ) فحرف ( من ) حرف ابتداء .
وإذا أجري على قول نحاة الكوفة كانت ( من ) بيانية جارة لاسم التمييز .
وتعريف الدمع تعريف الجنس مثل : طبت النفس .
و ( من ) في قوله ( مما عرفوا ) تعليلية أي سبب فيضها ما عرفوا عند سماع القرآن من أنه الحق الموعود به . ف ( من ) قائمة مقام المفعول لأجله كما في قوله : ( تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ) أي ففاضت أعينهم من انفعال البهجة بأن حضروا مشهد تصديق عيسى فيما بشر به وأن حضروا الرسول الموعود به ففازوا بالفضيلتين . و ( من ) في قوله ( من الحق ) بيانية . أي مما عرفوا وهو الحق الخاص . أو تبعيضية أي مما عرفوه وهو النبي الموعود به الذي خبره من جملة الحق الذي جاء به عيسى والنبيون من قبله .
وجملة ( يقولون ) حال أي تفيض أعينهم في حال قولهم هذا . وهذا القول يجوز أن يكون علنا ويجوز أن يكون في خويصتهم .
والمراد بالشاهدين الذين شهدوا بعثة الرسل وصدقوهم . وهذه فضيلة عظيمة لم تحصل إلا في أزمان ابتداء دعوة الرسل ولا تحصل بعد هذه المرة . وتلك الفضيلة أنها المبادرة بتصديق الرسل عند بعثتهم حين يكذبهم الناس بادئ الأمر كما قال ورقة : يا ليتني أكون جذعا إذ يخرجك قومك . أي تكذيبا منهم . أو أرادوا فاكتبنا مع الشاهدين الذين أنبأهم عيسى عليه السلام ببعثة الرسول الذي يجيء بعده فيكونوا شهادة على مجيئه وشهادة بصدق عيسى . ففي إنجيل متى عدد 24 من قول عيسى " ويقوم أنبياء كذبة كثيرون ويضلون كثيرين ولكن الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص ويفوز ببشارة الملكوت هذه شهادة لجميع الأمم " . وفي إنجيل يوحنا عدد 15 من قول عيسى " ومتى جاء لبمعزى روح الحق الذي من عند الأب ينبثق فهو يشهد لي وتشهدون أنتم أيضا لأنكم معي من الابتداء " . وإن لكلمة ( الحق ) وكلمة ( الشاهدين ) في هذه الآية موقعا لا تغني فيه غيرهما لأنهما تشيران إلى ما في بشارة عيسى عليه السلام .
وقوله ( وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ) هو من قولهم فيحتمل أنهم يقولونه في أنفسهم عندما يخامرهم التردد في أمر النزوع عن دينهم القديم إلى الدخول في الإسلام . وذلك التردد يعرض للمعتقد عند الهم بالرجوع عن اعتقاده وهو المسمى بالنظر ؛ ويحتمل أنهم يقولونه لمن يعارضهم من أهل ملتهم أو من إخوانهم ويشككهم فيما عزموا عليه ويحتمل أنهم يقولونه لمن يعيرهم من اليهود أو غيرهم بأنهم لم يتصلبوا في دينهم . فقد قيل : إن اليهود عيروا النفر الذين أسلموا إذا صح خبر إسلامهم . وتقدم القول في تركيب ( ما لنا لا نفعل ) عند قوله تعالى ( ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله ) في سورة النساء .
A E وجملة ( ونطمع ) يجوز أن تكون معطوفة على جملة ( ما لنا لا نؤمن ) . ويحتمل أن تكون الواو للحال أي كيف نترك الإيمان بالحق وقد كنا من قبل طامعين أن يجعلنا ربنا مع القوم الصالحين مثل الحواريين فكيف نفلت ما عن لنا من وسائل الحصول على هذه المنقبة الجليلة . ولا يصح جعلها معطوفة على جملة ( نؤمن ) لئلا تكون معمولة للنفي إذ ليس المعنى على ما لنا لا نطمع لأن الطمع في الخير لا يتردد فيه ولا يلام عليه حتى يحتاج صاحبه إلى الاحتجاج لنفسه ب ( ما لنا لا نفعل ) .
( فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين [ 85 ] )